الإدمان معركة يومية مع الذات
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} ربما جدرانُ مراكزِ التعافي من الإدمان وحدها شاهدةٌ على ما يمرّ به المدمن… على أفكارٍ لا تهدأ، وأوجاعٍ تتجدّد، وتخبّطاتٍ بين السقوط والنهوض. هي ليست مجرّد حكاياتٍ عن ضعف، بل قصصُ صراعٍ يوميّ مع الذات والمحيط. هم الناجون… والضحايا في الوقت نفسه. وخلف هذا الصراع الصامت، هناك دائمًا من يمدّ لهم يداً ثابتة: طبيبٌ يحاول إعادة ترتيب ما بعثره الإدمان.
لا يقتصر الإدمان على المواد، مثل المخدرات والكحول وبعض الأدوية، إضافةً إلى التبغ والكافيين، بل يشمل أيضاً أنماطاً سلوكية، كالقمار والطعام وحتى الجنس. ومع ذلك، ليس كل استخدامٍ لمادة أو ممارسةٍ لسلوك معيّن يُعدّ إدماناً، إذ توجد معايير طبية دقيقة للتشخيص، ولا يمكن إطلاق هذا الوصف بشكل عشوائي.
بعيدًاً عن القصص الفردية، تحاول الأرقام رسم صورة أوسع. فقد أُجريت الجولة الخامسة من المسح الأوروبي الإلكتروني حول المخدرات" بين أيار /مايو وتموز/يوليو 2024، وشملت عددًاً من الدول الأوروبية وأخرى من خارجها، مستهدفةً أشخاصاً بعمر 18 عامًا وما فوق ممّن يتعاطون المخدرات.
في لبنان، نُفّذ المسح بين 24 أيار/مايو و13 تموز/يوليو 2024، بمشاركة 669 شخصاً، بعد أن كان قد طُبّق سابقاً في عام 2021، وذلك بتكليف من "European Union Drugs Agency" ضمن مشروع "EU4Monitoring Drugs II"، فيما تعود مسؤولية محتواه إلى "Skoun" ووزارة الصحة العامة اللبنانية.
ويقدّم المسح صورة عن أنماط التعاطي بين المستخدمين، من دون أن يعكس نسب الانتشار في المجتمع ككل. وتبيّن أن التبغ والكحول والقنّب والكوكايين هي الأكثر استخداماً، فيما يتصدّر القنّب والكوكايين المواد غير المشروعة. كما تظهر النتائج تقارباً بين الرجال والنساء، مع تسجيل معدلات أعلى لدى الرجال. ويُشار إلى أن نحو ثلث المشاركين بدأوا استخدام القنّب قبل سن 18، فيما أفاد 28% بزيادة استهلاكه نتيجة الأزمة الاقتصادية. كذلك، أشار واحد من كل أربعة إلى تأثره بالغارات الجوية، ما ارتبط لدى بعضهم بارتفاع في استخدام القنّب والكوكايين.
يوضح الطبيب النفسي رمزي حداد لـ"النهار" أن الإدمان، رغم اتساع تعريفه، يقوم على سمات أساسية، أبرزها فقدان السيطرة على استخدام مادة أو سلوك معيّن، والاستمرار فيه رغم إدراك الأضرار. وغالباً ما ينعكس ذلك سلباً على جوانب عدّة من حياة الفرد، مثل العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية والعائلية، إضافةً إلى الصحة النفسية والجسدية.
ولا يمكن اختزال الإدمان بسؤال "لماذا". فهو غالباً نتيجة تداخل عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية، تشمل الاستعداد الجيني، وتغيّرات الدماغ، والاضطرابات النفسية، والضغوط، والمحيط الاجتماعي. وقد يبدأ بدافع التجربة أو التأثر بالآخرين. ورغم أن بعض الحالات ترتبط بظروف عائلية صعبة، كالتفكك أو التوتر الأسري، فإن العائلة ليست السبب المباشر، ولا يجوز تحميلها المسؤولية الكاملة.
إنكار الإدمان يُعدّ من السمات الشائعة أيضاً. ففي مراحله الأولى، قد يعزّز الشعور بالمتعة وغياب العواقب المباشرة وهمَ السيطرة، ما يدفع الشخص إلى الاعتقاد أنه قادر على التوقف في أي وقت، قبل أن يتكرّس فقدان السيطرة تدريجياً.
ولا توجد أدلة حاسمة على أن الحروب والأزمات تزيد معدلات الإدمان بشكل مباشر، لكنها قد تغيّر أنماط التعاطي تبعاً لتوفر المواد وتكلفتها. أما التأثير الأوضح، فيكمن في العلاج، إذ تتراجع إمكانيات المراكز، ويصعب الوصول إلى الخدمات، وتزداد الأعباء المادية، ما يحدّ من قدرة الأفراد على طلب المساعدة.
في النهاية، قد لا تغيّر الأزمات عدد المدمنين دائماً… لكنها تغيّر فرص نجاتهم.
لا يقتصر الإدمان على المواد، مثل المخدرات والكحول وبعض الأدوية، إضافةً إلى التبغ والكافيين، بل يشمل أيضاً أنماطاً سلوكية، كالقمار والطعام وحتى الجنس. ومع ذلك، ليس كل استخدامٍ لمادة أو ممارسةٍ لسلوك معيّن يُعدّ إدماناً، إذ توجد معايير طبية دقيقة للتشخيص، ولا يمكن إطلاق هذا الوصف بشكل عشوائي.
بعيدًاً عن القصص الفردية، تحاول الأرقام رسم صورة أوسع. فقد أُجريت الجولة الخامسة من المسح الأوروبي الإلكتروني حول المخدرات" بين أيار /مايو وتموز/يوليو 2024، وشملت عددًاً من الدول الأوروبية وأخرى من خارجها، مستهدفةً أشخاصاً بعمر 18 عامًا وما فوق ممّن يتعاطون المخدرات.
في لبنان، نُفّذ المسح بين 24 أيار/مايو و13 تموز/يوليو 2024، بمشاركة 669 شخصاً، بعد أن كان قد طُبّق سابقاً في عام 2021، وذلك بتكليف من "European Union Drugs Agency" ضمن مشروع "EU4Monitoring Drugs II"، فيما تعود مسؤولية محتواه إلى "Skoun" ووزارة الصحة العامة اللبنانية.
ويقدّم المسح صورة عن أنماط التعاطي بين المستخدمين، من دون أن يعكس نسب الانتشار في المجتمع ككل. وتبيّن أن التبغ والكحول والقنّب والكوكايين هي الأكثر استخداماً، فيما يتصدّر القنّب والكوكايين المواد غير المشروعة. كما تظهر النتائج تقارباً بين الرجال والنساء، مع تسجيل معدلات أعلى لدى الرجال. ويُشار إلى أن نحو ثلث المشاركين بدأوا استخدام القنّب قبل سن 18، فيما أفاد 28% بزيادة استهلاكه نتيجة الأزمة الاقتصادية. كذلك، أشار واحد من كل أربعة إلى تأثره بالغارات الجوية، ما ارتبط لدى بعضهم بارتفاع في استخدام القنّب والكوكايين.
يوضح الطبيب النفسي رمزي حداد لـ"النهار" أن الإدمان، رغم اتساع تعريفه، يقوم على سمات أساسية، أبرزها فقدان السيطرة على استخدام مادة أو سلوك معيّن، والاستمرار فيه رغم إدراك الأضرار. وغالباً ما ينعكس ذلك سلباً على جوانب عدّة من حياة الفرد، مثل العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية والعائلية، إضافةً إلى الصحة النفسية والجسدية.
ولا يمكن اختزال الإدمان بسؤال "لماذا". فهو غالباً نتيجة تداخل عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية، تشمل الاستعداد الجيني، وتغيّرات الدماغ، والاضطرابات النفسية، والضغوط، والمحيط الاجتماعي. وقد يبدأ بدافع التجربة أو التأثر بالآخرين. ورغم أن بعض الحالات ترتبط بظروف عائلية صعبة، كالتفكك أو التوتر الأسري، فإن العائلة ليست السبب المباشر، ولا يجوز تحميلها المسؤولية الكاملة.
إنكار الإدمان يُعدّ من السمات الشائعة أيضاً. ففي مراحله الأولى، قد يعزّز الشعور بالمتعة وغياب العواقب المباشرة وهمَ السيطرة، ما يدفع الشخص إلى الاعتقاد أنه قادر على التوقف في أي وقت، قبل أن يتكرّس فقدان السيطرة تدريجياً.
ولا توجد أدلة حاسمة على أن الحروب والأزمات تزيد معدلات الإدمان بشكل مباشر، لكنها قد تغيّر أنماط التعاطي تبعاً لتوفر المواد وتكلفتها. أما التأثير الأوضح، فيكمن في العلاج، إذ تتراجع إمكانيات المراكز، ويصعب الوصول إلى الخدمات، وتزداد الأعباء المادية، ما يحدّ من قدرة الأفراد على طلب المساعدة.
في النهاية، قد لا تغيّر الأزمات عدد المدمنين دائماً… لكنها تغيّر فرص نجاتهم.