الإخلال بالنظافة والضوضاء وإتلاف التجهيزات.. هذه أبرز مظاهر السلوك “غير المدني” لدى المغاربة
قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، اليوم الأربعاء، خلاصات رأيه حول موضوع “السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة”، والذي شخص فيه أبرز السلوكات غير الحضرية للمغاربة في الفضاءات العمومية، وسبل تجاوزها.
وقال عبد القادر اعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في كلمة له خلال تقديم مخرجات هذا الرأي، إن المجلس ارتأى تسليط الضوء على هذا الموضوع لما يكتسيه من أهمية متزايدة، باعتباره مرآة تعكس في عمقها مستوى جودة العيش المشترك، وتجسيدا لدرجة نضج العلاقة بين الفرد والجماعة داخل الفضاء العام.
وأشار إلى أن المجلس وقف على أبرز التحولات التي يعرفها السلوك المدني في الفضاءات العمومية، من خلال تحليل مرجعياته ومحدداته الأساسية، وتشخيص بعض مظاهر الاختلال التي تعتريه، كما توقف عند الرافعات الكفيلة بتعزيز سلوك مدني مشترك، منظم ومستدام، في خدمة فضاء عمومي يقوم على الاحترام المتبادل، والعيش المشترك، والحكامة الجيدة.
وتطرق اعمارة إلى ظهور بعض التغيرات في الممارسات الفردية والجماعية المرصودة داخل هذه الفضاءات العمومية، والتي تعكس، بدرجات متفاوتة، صعوبات في احترام شروط التساكن الاجتماعي والاستعمال المتكافئ والمسؤول لخدمات المرفق العام والتجهيزات المشتركة، لافتا إلى أنه لهذه الأسباب جرى إطلاق العديد من المبادرات الرامية إلى صون هذا الرأسمال اللامادي وترسيخ السلوكيات المدنية.
وأكد أن هذه السلوكيات تتخذ أشكالا متعددة؛ تشمل الإخلال بالنظافة العامة، والتسبب في إصدار ضوضاء مزعجة، والتلفظ بألفاظ بذيئة، وإتلاف التجهيزات العمومية، فضلا عن بعض السلوكيات الخطيرة والمُميتة أحيانا في استعمال الطريق، بما يعكس تفاوتا في مستويات تملك قواعد التعايش والسلامة. يضاف إلى ذلك ما تشهده بعض الفضاءات الرياضية، لا سيما الملاعب، بين الفينة والأخرى، من تجاوزات غالبا ما ترتبط بسياقات ظرفية تتسم بارتفاع منسوب التوتر والانفعال المرتبطين بالمنافسات الرياضية.
وعزى المجلس هذه السلوكيات غير المدنية إلى مجموعة من العوامل النفسية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية، المرتبطة بالتحولات التي تعرفها أنماط التنشئة الاجتماعية، في ظل تنامي دور الوسائط الرقمية وتعدد مصادر التأثير في تشكيل المرجعيات والسلوكيات، كما تتعلق باستمرار بعض أوجه التفاوت الاجتماعي ووضعيات الهشاشة، فضلا عن محدودية الإعمال الفعلي للقواعد وتدبير القرب.
وشدد المجلس على أن ترسيخ السلوك المدني في الفضاءات العمومية يشكل رافعة أساسية لتعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ الثقة الجماعية، وضمان تلازم الحقوق بالواجبات، مما يقتضي تعبئة منسَّقة ومستدامة لكافة الفاعلين، من مواطنات ومواطنين، ومؤسسات، وجماعات ترابية، ومجتمع مدني، ووسائل إعلام، وقطاع خاص، حول مبادرات متكاملة تستند إلى دينامية قوامها “المثالية” المتبادلة والمسؤولية المواطِنة في خدمة الصالح العام.
ودعا إلى تعزيز التربية على المواطنة وترسيخ حس المسؤولية لدى المواطنات والمواطنين، بما يضمن احترام قواعد السلوك المدني في الفضاءات العمومية؛ وتوطيد مبدأ “مثالية” التدبير لدى المؤسسات والفاعلين العموميين والخواص، من خلال التحسين المستمر لممارسات التدبير، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتطوير البنيات التحتية؛ وتعزيز التطبيق الصارم للقواعد المنظمة للفضاءات العمومية بما يكفل احترامها والحد من السلوكيات غير المدنية والوقاية منها.
وأكد المجلس ضرورة رد الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره ملكا مشتركا، عبر تحسين جودته والولوج إليه واستعمالاته، بما يجعله إطارا محفزا على ترسيخ السلوكيات المدنية بشكل مستدام، مشيرا إلى أن نهائيات كأس العالم 2030، التي سينظمها المغرب بشكل مشترك مع كل من إسبانيا والبرتغال، تمثل فرصة سانحة لتسريع هذا المسار، عبر جعل السلوك المدني عنصرا أساسيا ضمن التحضيرات الوطنية لهذا الحدث الدولي الهام.
واقترح إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني في الفضاءات العمومية، يرتكز على ميثاق وطني يحدد قواعد السلوك في الفضاءات العمومية، ويعتمد مقاربة تشاركية تشمل مختلف الأطراف المعنية، مع الحرص على تنزيله على المستويين الوطني والترابي، وضمان التفعيل الصارم، ووفق مساطر مبسطة، للمقتضيات الزجرية المتعلقة بالمخالفات والجنح التي تمس بالنظام العام والسكينة العمومية، مع الحرص على إعمال مقتضيات قانون العقوبات البديلة.
ودعا المجلس إلى إرساء إطار معياري موحد للعقوبات الإدارية المرتبطة بالإخلال بالسلوك المدني في الفضاء العمومي، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الجهوية، ويدرج ضمنه بدائل تربوية وإصلاحية، مثل الأشغال ذات المنفعة العامة أو الدورات التكوينية، وإعداد وتنفيذ مدونة وطنية للسلوك المدني في المرافق العمومية، في انسجام مع مقتضيات القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية، تسعى إلى تحديد مسؤوليات الموظف العمومي والمرتفق في علاقتهم بالمرفق العمومي والحفاظ عليه.
وأوصى أيضا بإدراج أنشطة تربوية، بشكل صريح وواضح، ضمن الإطار المرجعي للمنهاج والبرامج والمقررات الدراسية، ابتداء من مرحلة التعليم الأولي وعلى امتداد مختلف مكونات ومستويات منظومة التربية والتكوين، بهدف تنمية السلوكيات المدنية وتعزيز التملك التدريجي للقيم التي تقوم عليها، مع ضمان تفعيلها بشكل فعلي من خلال مقاربات بيداغوجية ملائمة، ولا سيما عبر تعزيز الأنشطة الموازية.