"الأوديسة": كريستوفر نولان يغرق في بحر هوميروس
كريستوفر نولان مولعٌ بقياس نفسه بالكبار، مدفوعاً بالرغبة في بلوغ القمم والصعود على أكتاف الرموز الكبرى في التاريخ والأسطورة. فسواء تناول أب القنبلة الذرية أو الحرب العالمية الثانية، أو السحر والخدع البصرية، أو وكالة ”ناسا“ والفضاء، أو الأحلام والوعي، مروراً بشخصية باتمان على شكل ميثولوجيا أميركية معاصرة، فإنه يسعى إلى وضع تجربته في مواجهة المطلق واللامتناهي، مقارباً هذه العوالم بلغة سينمائية ذات نزعة فلسفية.
يمكن القول إن نولان هو نوع من ”أوديسيوس السينما“، ذلك الذي يقيس خطاه بالآلهة. فقد استطاع، مدعوماً بآلة تسويقية شديدة الذكاء، أن يقنع فئة واسعة من المشاهدين الموسميين بعظمته، وهي شريحة لا تمتلك بالضرورة معرفة عميقة بالسينما وتنوّع تجاربها، لكنها مستعدة لتشكيل جبهة دفاعية عن أفلامه. إنها ظاهرة عجيبة يصعب فهمها بمنطق العقل وحده، لأن الانبهار هنا يتجاوز حدود التلقّي الفنّي ليقترب أحياناً من صناعة صورة أسطورية حول المخرج نفسه. ولا شيء أتفه من اختزال السينما المعاصرة بأكملها في شخص واحد، وربط قيمتها بمجموعة من التفاصيل التقنية (”أول فيلم صُوَّر بآيماكس 70 ملم“) التي ترافق أفلامه.

لا يختلف ”الأوديسة“ عن مشاريع نولان السابقة لجهة الضخامة والطموح والرغبة في ملامسة الأفكار الكبرى. فبعد أن استنفد مساحة واسعة من مواضيع الحاضر وأسئلته، يمد يده هذه المرة إلى الميثولوجيا الإغريقية، متّجهاً إلى ملحمة هوميروس، هذا النصّ الذي ليس مجرد حكاية مغامرات، وإنما أحد النصوص التي شكّلت ملامح المخيال والثقافة الغربية. نُقِلت ”الأوديسة“ إلى الشاشة مرات عدة، في هوليوود وخارجها، وكان آخر اقتباس حر بارز لها هو ”العودة“ لأوبرتو بازوليني، بطولة جولييت بينوش ورالف فاينز، وهو عمل مرّ من دون أن يحظى بأي اهتمام.
فيلم له أصل أدبي يعني الدخول في منطقة المقارنة، ومن هنا يولد الجدال: بين مَن يرى أن العمل السينمائي ابتعد عن الينبوع، ومَن يرى أن السينمائي ليس ملزماً بالخضوع لحرفية النصّ المكتوب. كما أن استقبال الفيلم يختلف جذرياً بين قارئ يعرف الملحمة معرفة دقيقة، ومُشاهد يلتقي بها للمرة الأولى عبر الشاشة. فالأول سيعود إلى النصّ مرجعاً للمقارنة، بينما لن يجد الثاني سوى الفيلم موطئ قدم وحيد لتجربته.
في كلّ الأحوال، لا يوجد سينمائي خلاّق يُقدم على اقتباس عمل أدبي من دون أن يشبّعه بأثره الخاص. فالسينما مجال رحب يسمح بدرجات متعدّدة من إعادة التأويل والتلاعب والبناء من جديد. ومن هذا المنطلق، يقدّم نولان قراءته الخاصة لنصّ غني إلى حد يسمح بالامعان في جوانب منه، وإهمال جوانب أخرى تماماً. إنه يستعير من هوميروس ما ينسجم مع رؤيته وأفكاره، وما يخدم منظومته السينمائية.

يبدأ الفيلم من النقطة التي انتهت عندها حرب طروادة، الحرب التي قادت إلى سقوط المدينة. أوديسيوس (مات دايمون) ورجاله، وقد أنهكهم القتال، لا يحلمون سوى بالعودة إلى إيثاكا. ولمن لا يعرف أوديسيوس، فهو ملك إيثاكا وصاحب الحيلة التي مكّنت الإغريق من دخول طروادة، الحيلة التي سبقت سلسلة طويلة من القتل والعنف. كما انه انتهك ”شريعة زيوس“ (التي يحوّلها نولان إلى مركز الثقل الأخلاقي لفيلمه خارجاً بها من عباءة هوميروس)، لذلك لا تحمل الآلهة تجاهه نيّات طيبة، ويصبح طريق العودة عقاباً بقدر ما هو رحلة خلاص.
نرى مجموعة من الرجال المنهكين يتبادلون جملاً مبتورة، كأنهم عالقون بين الذاكرة والحاضر، قبل أن يواجهوا سلسلة من العقبات، من بينها العملاق ذي العين الواحدة، والساحرة التي تحوّل رفاق أوديسيوس إلى حيوانات برية، في أحد أقوى مشاهد الفيلم.
الدقائق الأربعون الأولى ما هي سوى حركة ذهاب وإياب بين أزمنة وأمكنة مختلفة، بما يوحي بفوضى سردية واسعة. نولان يفقد الحسّ الكافي للتعامل مع لحظة البداية: كيف يدخل المُشاهد إلى هذا العالم، وما الذي ينبغي قوله كي يصبح هذا العالم قابلاً للمتابعة. إنه أشبه بمعلّم يقف أمام تلاميذه في اليوم الأول من العودة إلى الصف، محاولاً استعادة الانتباه.
ومَن لا يمتلك معرفة مسبقة بالخلفية الأسطورية التي تتبلور فيها الأحداث، سيجد نفسه أمام متاهة. ثم تأتي جملة مات دايمون، في دور أوديسيوس، ”ساعدني على العودة إلى الوطن“، فتمنح الفيلم أخيراً خطاً مستقيماً، أو على الأقل وجهة محدّدة. لكن هذا لا يعني أن نولان سيتخلّى عن لعبته السينمائية المفضّلة: المزج بين الأزمنة والأمكنة من دون فواصل، وهي لعبة تضاعف الإحساس بالارتباك.

لن تكون أوديسة أوديسيوس في جوهرها رحلة لبلوغ الهدف فحسب، وإنما رحلة في الذاكرة، في ذلك الحمل الثقيل الذي تتركه التجارب في أرواح الشخصيات حتى بعد الانتصار. فالجراح هي التي تحدد ما نصير إليه. لذلك تصبح الرحلة ضرورة نفسية، ولا مفر من مواجهة الذات واستعادة ما أخفاه الزمن. مرة أخرى، يضعنا نولان أمام شخصية مثقلة بالصدمة وعذابات الضمير، تعود إليها ماضيها عبر زمن متشظ ومتقطّع، وهي تيمة حاضرة في معظم أفلامه، التي تمتلك، رغم اختلاف مواضيعها، فضيلة الحوار الداخلي في ما بينها. ومع ”الأوديسة“، يبدو نولان كأنه يتجوّل في متحف شمع لشخصياته السابقة. كلّ شخصية فيه ليست سوى صدى لأخرى، ظهرت في زمن مختلف وظروف مختلفة، لكنها تحمل الهاجس نفسه: الإنسان المحاصر بذاكرته، وبالأثر الذي تتركه أفعاله عليه.
غير أن نولان يضع هذه المرة موهبته المعروفة في صناعة الكيمياء البصرية الهائلة بين الصورة والصوت، في خدمة فراغ ما. مأزقه هنا شكلي ومضموني في آن واحد. هذه الحكاية التي شرب منها الزمن كثيراً لا يضيف إليها الفيلم ملمحاً جديداً أو زاوية مغايرة، اذ يكتفي باعادة رسم مصير بطل يحاول استعادة ما فقده، من دون أن يمنحه أبعاداً تتجاوز ما هو معروف عنه.
حتى اللحظات التي من شأنها أن تبقى عالقة في الذاكرة قليلة ومحدودة. ويحتاج المُشاهد إلى ساعتين ونصف الساعة كي يصل إلى الخاتمة، عابراً مساراً طويلاً من الحوارات والتفاصيل والشخصيات الثانوية التي تبدو أحياناً كأنها أضيفت لاستكمال البناء العددي أكثر من ضرورتها الدرامية. وسرعان ما تضعف العلاقة بهذه الشخصيات، إذ إن مرور الوقت لا يعمّق حضورها، بل يزيد المسافة بينها وبين المتلقّي.
والنتيجة فيلم ندخله بحماسة، نتابعه بشيء من التململ، ثم ننتظر نهايته بفارغ الصبر. ومع قدر من المبالغة، يمكن القول إن التجربة تقترب أحياناً من كونها عقاباً جماعياً طويلاً أكثر من كونها اكتشافاً سينمائياً يستحق هذا الانتظار.
شاهدتُ الفيلم في عرضه على شريط 70 ملم، ويمكن القول إن الصورة، رغم أنها تقرّبنا من فكرة السينما الأصيلة كمادة محسوسة، بدت لي أحياناً أقرب إلى الكيتش، وذلك بسبب حشد كثيف من العناصر البصرية المتشابهة والمتكررة، سواء في الألوان أو التكوينات. وحتى حركات الكاميرا، التي يفترض أن تمنح الصورة طاقة إضافية، تبدو في بعض اللحظات تزيينية. كلّ تفصيل يساهم في جعل الفيلم ثقيلاً، وأقل قابلية للهضم والانغماس.

النوع السينمائي الذي أطلق عليه الغرب اسم ”ببلوم“ يمتلك تاريخاً طويلاً، وقد خضع عبر العقود لمعالجات متعدّدة: سياسية وكوميدية وحتى إيروتيكية وأكثر من ذلك. احتفظت هذه الأفلام بسحر خاص، وبقدرة على تحويل الضخامة إلى متعة تتيح السفر عبر الزمن بفعل المخيلة. وهو السحر الذي لم يستطع ”الأوديسة“ استعادته. فالفيلم يبدو، في لحظات كثيرة، مأخوذاً بجدية مفرطة تجاه ذاته، وذلك بحدّته المستمرة، وحواراته التفسيرية التي تحاول تمرير المعلومات بطريقة فجّة، وموسيقاه التي تميل إلى الزخرفة بدل أن تكون جزءاً عضوياً من التجربة، إضافة إلى وجوه شخصياته الذكورية العابسة والغاضبة مهما اختلفت الحالات النفسية التي تمر بها.
حتى حضور بينيلوبي (آن هاثاواي)، الذي يفترض أن يشكّل مركزاً عاطفياً يدفعنا إلى التعاطف والانتظار، يفشل في بناء ذلك الارتباط. بل وجدتُ أن مصير العملاق كان أكثر قدرةً على تحسيس الشعور. لا يجد نولان ما يضيفه على نصّ هوميروس سوى إحاطته بأجواء مستعارة من تقاليد سينما الرعب، حاشراً المتلقي داخل عتمة شبه دائمة، وبين درجات لونية قاتمة تهيمن على معظم ساعات الفيلم الثلاث.
أما الموضوع الأقرب إلى قلب نولان، الزمن، فلا نشعر هنا بمروره على مسامات الجلد كما حدث مع جنود ”دنكرك“ وهم ينتظرون لحظة النجاة. لذلك، يبقى الزمن في ”الأوديسة“ محبوساً داخل بكرات الأيماكس، من دون أن يتحوّل إلى تجربة حسيّة أو وجودية. وربما هنا يكمن إخفاق الفيلم الأعظم: افتقاره إلى الروح. والمفارقة الكبرى أننا نخرج من هذا الفيلم الضخم، المهيأ ليكون حدثاً سينمائياً، وكأننا لم نشاهد شيئاً. تتبخّر التفاصيل من الذاكرة لحظة ظهور شارة النهاية. لا الشخصيات تستقر فينا، ولا الأحداث تواصل مفعولها داخل مخيلتنا، ولا الأجواء تترك أثراً عاطفياً أو فكرياً. إنه فيلم جامد وميكانيكي على كافة المستويات، يبدو في بعض جوانبه استعراض جمالي بلا شخصية، وبناء بصري بلا جاذبية. قد يبقى منه حجم الإنتاج، ودقّة الصناعة، وبعض الصور المبهرة، لكن لا شيء سيعوّض الجفاف العاطفي.
الفيلم ينصاع، بدرجة أو بأخرى، لأجندة السينما الهوليوودية الجديدة التي تولي اهتماماً متزايداً بـ“سياسات الهوية“. فالفيلم الذي يُراد له أن ينتشر عالمياً لم يعد يكتفي بالسرد والإبهار، بل من المتوقّع أن يحمل رسائل أخلاقية. ومع ذلك، فإنه يفشل أمام الاختبار الأصعب: أن يبتعد عن كونه قراءة مصاغة بلهجة أهل ناطحات السحاب في أميركا وملامحهم الثقافية. فما الجدوى من تقديم درس أخلاقي عن عالم متجانس في مكان ما، ثم تبنّي نقيضه في مكان آخر؟ يحدث هذا رغم محاولة الفيلم المحبّبة الابتعاد عن الانحيازات المألوفة لأفلام البلوكباستر. يحاول نولان، مثلاً، منح الأشياء وزناً مادياً وحضوراً واقعياً. ليس كلّ ما نراه مجرد حيل مصنوعة أمام شاشة خضراء، بل هناك رغبة في جعل العناصر حاضرة فيزيائياً أمام الكاميرا. وهذا الخيار يعزز الإحساس بعالم يقف على مسافة من الكمال الذي تسعى إليه الصورة الرقمية الحديثة.
أيضاً: نولان يخسر هنا واحداً من العناصر التي شكّلت العمود الفقري لسينماه: المواربة. ففي هذا الفيلم، كلّ شيء مكشوف، حتى لو لم يكن واضحاً تماماً. حين تنطق الشخصية كلمة ”شمس“، تظهر الشمس، وحين يُشار إلى فكرة، تُقدَّم في صورة مباشرة. بينما كان الغموض، في أفضل أفلامه السابقة، يفتح مساحة للتأويل، ويقود إلى حقيقة أعمق من الحكاية نفسها.
في النهاية، ما يخلص إليه نولان ليس أكثر من خطاب عادي ومكرور حول إحساس الذنب الذي يطارد رجلاً بعد ما ارتكبه. خطاب يعيد، بصورة أقل تعقيداً وتوهّجاً، أسئلة سبق أن تناولها بعمق أكبر في ”أوبنهايمر“. خصوصاً أنه يضعنا أيضاً أمام المسافة الفاصلة بين صورة البطل كما يراه الآخرون، وصورته عن نفسه، بين الرجل الذي مضى إلى الفعل والرجل الذي عاد محمّلاً بعواقبه.
الإنسان وممارساته، الإنسان ومسؤولياته، الإنسان وصراعه لاستعادة ما فقده، هذا ”ليتموتيف“ يتكرر في عالم نولان، ويعود من فيلم إلى آخر كهم لا يفارقه. لكن، كما يحدث غالباً في التراجيديات، تنتهي الأشياء في حمّام من الدم. وفي النهاية، وحده مَن يرى نهاية المجزرة، كنولان، قد يخرج منتصراً. أما المُشاهد، فيغادر القاعة محمّلاً بإحساس غريب: أنه شاهد حدثاً ضخماً، لكنه لم يجد فيه الكثير ممّا تحفظه الذاكرة.