الأسهم الأميركيّة تخطف حصّة من تداولات السّعوديين: ثلاثة من كل عشرة ريالات تذهب للخارج
سجّل المستثمرون السعوديون تحولاً لافتاً في سلوكهم الاستثماري خلال السنوات الثلاث الماضية، إذ تشير بيانات هيئة السوق المالية في السعودية إلى أن تداولاتهم في الأسهم الأجنبية عبر المؤسسات المالية المرخّصة محلياً نمت بوتيرة متسارعة، فاقت بمراحل نمو تداولاتهم في السوق المحلية.
ففي الربع الأول من العام الجاري، بلغت تداولات السعوديين في الأسهم الأميركية نحو 241.9 مليار ريال (64.5 مليار دولار) بيعاً وشراءً، ارتفاعاً من 173.8 مليار ريال (46.3 مليار دولار) في الربع الأول من عام 2025م، بما يمثّل نمواً سنوياً بلغ 39.2%.
غير أن الصورة الأوضح تتجلى عند النظر إلى أفق زمني أطول؛ فمقارنة بالربع الأول من عام 2023م، حين لم تكن التداولات الأميركية تتجاوز 58.8 مليار ريال (15.7 مليار دولار)، قفزت هذه التداولات بنسبة 311% خلال ثلاثة أعوام فقط، وفقاً للجدول 51 من النشرة الإحصائية الربعية لهيئة السوق المالية.

ثلاثة محركات رئيسية
يرى عبد ربه زيدان، رئيس الأبحاث والبيانات المالية في بوابة أرقام المالية، أن ثلاثة عوامل متضافرة تفسّر هذا التحوّل.
أولها سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية عبر صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) والمنصات الاستثمارية الرقمية، مقارنة بما كان متاحاً قبل سنوات. وثانيها أن "تنوع الفرص المتاحة في الأسواق العالمية كانت أكثر جاذبية مقارنة ببعض الفرص المحلية خلال فترات معينة". أما ثالثها، وهو الأبرز في رأيه، فهو "الطفرة الكبيرة في أسهم التكنولوجيا الأميركية والذكاء الاصطناعي، التي دفعت كثيراً من المستثمرين المؤسسيين إلى زيادة تعرضهم للأسواق الأميركية خاصة".
ويُضيف زيدان أن "تراجع أداء بعض الأسواق الخليجية لفترات معينة، إما بسبب الأحداث الجيوسياسية أو تراجع أسعار النفط إلى مستويات متدنية في فترات سابقة"، دفع المستثمرين للبحث عن بدائل خارجية.
وتعكس بيانات السوق الأميركية هذا الزخم؛ إذ سجّلت الأسهم الأميركية أداءً إيجابياً قوياً منذ مطلع 2026، مدعومةً بمكاسب قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ونتائج شركات فاقت التوقعات خلال معظم الفترات. وحقق مؤشر S&P 500 مكاسب تراكمية تقارب 11% منذ بداية العام، فيما ارتفع داو جونز نحو 6% مدعوماً بأداء قطاعَي المال والصناعة. وكان مؤشر ناسداك الأكثر استفادة بمكاسب تراوحت بين 8% و16% بحسب فترات القياس، فيما تصدّر راسل 2000 للأسهم الصغيرة بمكاسب بلغت نحو 14.2% منذ بداية العام.

الحصة ترتفع على حساب السوق المحلية
الأكثر دلالة من الأرقام المطلقة هو التحوّل في توزيع التداولات. تجدر الإشارة إلى أن البيانات المتاحة لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة بين ارتفاع التداولات الخارجية وتراجع السيولة المحلية، إذ قد تكون الأموال المتدفقة إلى الخارج فائضاً لم يكن يُستثمر في السوق المحلية أصلاً.
بيد أن الأرقام تكشف تحولاً هيكلياً واضحاً؛ فقد استحوذت الأسهم الأميركية على نحو 28.5% من إجمالي تداولات السعوديين في جميع الأسواق خلال الربع الأول 2026م، مقارنة بنحو 9.7% فقط في الربع الأول 2023م. في المقابل، تراجعت حصة السوق المحلية من قرابة 90% إلى نحو 68.9% خلال الفترة ذاتها، وهو أدنى مستوى لها في السنوات الأخيرة.
السوق الأميركية تهيمن.. والخليجية والأوروبية تتقدمان من قاعدة ضيّقة
على صعيد المقارنة بين الأسواق الخارجية، تبقى الهيمنة الأميركية شبه مطلقة من حيث القيمة. فمع تداولات بلغت 241.9 مليار ريال (64.5 مليار دولار)، مثّلت الأسهم الأميركية وحدها ما يقارب 91.5% من إجمالي التداولات الخارجية للسعوديين في الربع الأول 2026م.
بيد أن الأسواق الخليجية والأوروبية تسجّل نمواً لافتاً من حيث معدلات الارتفاع النسبية، وإن ظلت أرقامها المطلقة محدودة. فقد بلغت التداولات في الأسواق الخليجية 11.3 مليار ريال (3 مليارات دولار) في الربع الأول 2026م، بعدما كانت 1.1 مليار ريال (298 مليون دولار) في الربع الأول 2023م، بنمو تراكمي بلغ 908%.
وبالمثل، قفزت التداولات الأوروبية من 464 مليون ريال (124 مليون دولار) إلى 11 مليار ريال (2.9 مليار دولار) خلال الفترة ذاتها، بنمو تراكمي بلغ 2,280%. غير أن هذه المعدلات تعكس انطلاقاً من قاعدة ضيّقة جداً، وتحتاج إلى استمرار في الأرباع المقبلة قبل أن تشكّل ثقلاً موازياً للسوق الأميركية.

تداولات عالية وأصول محدودة
ثمة فارق جوهري يستحق الإشارة: الأرقام أعلاه تعكس حجم التداولات، لا قيمة الأصول المحتفظ بها. فبيانات الهيئة ذاتها تشير إلى أن إجمالي الأصول الأجنبية لدى مؤسسات السوق المالية المرخّصة بلغ نحو 39.6 مليار ريال (10.6 مليارات دولار) في نهاية الربع الأول 2026م، وهو رقم يبقى متواضعاً قياساً بقيمة التداولات الهائلة.
ويعكس هذا الفارق الكبير طبيعة النشاط السائد: تداولاً قصير الأجل وإعادة تدوير متكررة للسيولة، لا استثماراً طويل المدى في الأسهم الأجنبية.
خمس حقائق أساسية
- ارتفعت تداولات السعوديين في الأسهم الأميركية 311% بين الربع الأول 2023م والربع الأول 2026م.
- تمثّل الأسهم الأميركية الآن 28.5% من إجمالي تداولات السعوديين، مقابل 9.7% قبل ثلاث سنوات.
- سجّلت السوق الأوروبية أعلى معدل نمو نسبي بلغ 2,280%، لكن من قاعدة ضيّقة جداً.
- تراجعت حصة السوق المحلية من 90% إلى 68.9% من إجمالي التداولات.
- رغم ضخامة التداولات، لا تتجاوز الأصول الأجنبية المحتفظ بها 39.6 مليار ريال، ما يكشف أن معظم النشاط قصير الأجل، وليس استثماراً طويل المدى.