الأسر المغربية والدعم الاجتماعي .. من "مفترق الطرق" إلى "العش الفارغ"
كشفت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي عن نتائج دراسة تحليلية حديثة تسلط الضوء على الخريطة الديمغرافية والاجتماعية للفئات المستفيدة من برنامج الدعم المباشر، وقد خلصت الدراسة إلى تصنيف الأسر المغربية المستفيدة ضمن خمس مجموعات رئيسية، بهدف تقديم إجابات دقيقة لحاجياتها الحقيقية.
وأظهرت الدراسة أن المجموعات المستفيدة تتوزع على مختلف جهات المملكة، وهو ما يستدعي استجابات تراعي الخصوصيات المحلية والاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق، وفي هذا السياق حددت الوكالة خمس فئات رئيسية تشكل قاعدة المستفيدين من البرنامج.
وتأتي في مقدمة هذه الفئات الأسر الناشئة، التي يبلغ عددها مليوناً و209 آلاف و436 أسرة، وتعد الفئة الأكبر ضمن المستفيدين، إذ يهيمن أرباب الأسر الشباب، الذين يوجدون غالباً في الأربعينيات من العمر، على تركيبتها، كما تضم أطفالاً صغاراً وتواجه تحديات يومية مرتبطة بتكاليف الحياة الزوجية ومتطلبات تربية الأبناء، وتؤكد الدراسة أن هذه الفئة تعاني من “هشاشة قابلة للتجاوز”، لذلك فإن مواكبتها بشكل مناسب من شأنه أن يساعدها على تحقيق استقرار معيشي مستدام.
أما الفئة الثانية فتتمثل في أسر “عند مفترق الطرق”، ويبلغ عددها 986 ألفاً و265 أسرة، وتتمركز أساساً في الوسط القروي، بينما يوجد أربابها في الغالب في الخمسينيات من العمر، كما تعيش مرحلة انتقال ديمغرافي دقيقة مع بلوغ الأبناء سن المراهقة أو الرشد، الأمر الذي يضاعف الأعباء المرتبطة بالتعليم والتكوين المهني وإدماج الأبناء في سوق الشغل، وترى الدراسة أن الدعم خلال هذه المرحلة يشكل عاملاً حاسماً في ضمان مستقبل الأجيال الصاعدة وفي كسر حلقة الفقر العابر للأجيال.
وتضم الفئة الثالثة “رفقاء الدرب”، ويبلغ عددها 964 ألفاً و690 أسرة، وتتكون أساساً من أزواج متقدمين في السن يعيشون غالباً في العالم القروي، ولا يتوفرون على معاش تقاعدي أو دخل قار، كما يواجهون صعوبات في التنقل ومشكلات صحية متزايدة، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة لهشاشة الشيخوخة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وبالنسبة إلى هذه الفئة يشكل الدعم الاجتماعي المباشر شبكة أمان أساسية تساهم في الحفاظ على الكرامة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
وتحدثت الدراسة أيضاً عن فئة “نساء في وضعية العش الفارغ”، التي تضم 584 ألفاً و168 امرأة، وتشمل نساء مسنات يعشن بمفردهن، سواء بسبب عدم الإنجاب أو نتيجة مغادرة الأبناء لمقر الأسرة، وتعاني هذه الفئة من ضعف الروابط الأسرية ومن تراجع شبكات التضامن التقليدية، الأمر الذي يفاقم هشاشتها الاجتماعية والاقتصادية، لذلك أوصت الدراسة بإيلاء عناية خاصة لهذه الشريحة ضمن السياسات الاجتماعية، بما يضمن ولوجها إلى الخدمات الأساسية والاستفادة من آليات الحماية الاجتماعية.
أما الفئة الخامسة والأخيرة فتتمثل في “أفراد دون معيل”، ويبلغ عددهم 156 ألفاً و936 شخصاً، وتشمل رجالاً ونساء يعيشون بمفردهم في مناطق شبه حضرية أو قروية، كما تفتقد هذه الفئة إلى البنية الأسرية التقليدية التي توفر عادة أشكالاً مختلفة من الدعم والمساندة، وهو ما يضع أفرادها في وضعية عزلة اجتماعية تستدعي مواكبة دقيقة، وتزداد هذه العزلة حدة بفعل الهشاشة المادية التي يعاني منها كثير من المنتمين إلى هذه الفئة، الأمر الذي يفرض اعتماد سياسات موجهة تستجيب لاحتياجاتهم الخاصة.
وتبرز نتائج الدراسة أن الهشاشة الاجتماعية في المغرب لا تتخذ شكلاً واحداً، بل تتوزع على أوضاع متعددة تتطلب حلولاً متمايزة ومقاربات غير نمطية، فبين الحاجة إلى ضمان الكرامة لكبار السن والنساء اللواتي يعشن بمفردهن، وبين ضرورة الاستثمار في الأسر الناشئة لمساعدتها على تجاوز وضعية الهشاشة، تعمل الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي على ترسيخ مرحلة جديدة من الاستهداف الدقيق للفئات المستفيدة، تقوم على الجمع بين الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي.
ويذكر أن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، الخاضعة لوصاية الدولة ممثلة في الوزارة المنتدبة لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلفة بالميزانية، اعتمدت في إعداد هذه الدراسة على مقاربة متقدمة في التصنيف الإحصائي، إذ جرى تجميع الأسر وفق تقاطعات تعكس أوضاعها المعيشية الفعلية، وشملت المعايير المعتمدة الانتماء الترابي، والفئة العمرية، والحالة العائلية، وتركيبة الأسر، وتمدرس الأطفال، إضافة إلى مقاربة النوع الاجتماعي، وتهدف هذه المنهجية إلى تحديد مسارات مواكبة خاصة بكل فئة، مع التمييز بدقة بين الأسر التي تحتاج إلى شبكات أمان اجتماعي دائمة بسبب عدم قدرتها على إعالة نفسها، وتلك التي تمتلك مؤهلات تسمح لها بتجاوز وضعية الهشاشة بشكل مستدام متى توفرت لها المواكبة المناسبة.
The post الأسر المغربية والدعم الاجتماعي .. من "مفترق الطرق" إلى "العش الفارغ" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.