الأديب بوعلو .. حضور وتألّق

الأستاذ محمد إبراهيم بوعلو، من أسرة سلاوية عريقة لها حضور في مدينة سلا المجاهدة سياسةً وفكراً وثقافةً، من شباب المدينة الطموح الذي نذَر نفسه للدرس والعلم بعيداً عن كل التطلعات التي يسعى إليها غيره من مجايليه أو غيرهم.

كانت دراسته الابتدائية بمسقط رأسه سلا كغيره من أبناء المدينة الذين تشبع آباؤهم بما للعلم والدرس من دور في تنوير العقول والأفكار وارتقاءً بالمجتمع الذي كان يتخبط في دروب الأمية والجهل؛ فالعلم يرفع الدرجات ويخلق المعجزات، فكيف لا يتحلق الأولاد حول معلميهم في الكتاتيب القرآنية والمدارس الحرة التي أنشأها الوطنيون في سلا؟ وكان من بينهم التلميذ محمد إبراهيم بوعلو. وبعد المرحلة الابتدائية بمدرسة النهضة في السوق بسلا، كما يذكر من عرفه، سيلتحق بالسلك الثانوي بمدارس محمد الخامس بالرباط التي كانت مشتلاً لتكوين تلاميذ العدوتين (الرباط وسلا) في المرحلة الثانوية، ومنهم محمد السماحي، محمد مصلح، أحمد اليبوري وغيرهم.

كان محمد إبراهيم بوعلو قارئاً لكل مجلة استوقفته موضوعاتها، ووجد فيها إرواءً لظمئه المعرفي لما كان يطلع عليه مما يصل إلى المغرب من دوريات شرقية وكتب أدبية لأعلام مشارقة كطه حسين وأحمد حسن الزيات وأحمد أمين وغيرهم. تطلعتْ هِمَّتُه إلى الارتواء من علوم أساتذة مشارقة أثْرَوا الساحة الثقافية والفكرية في العالم العربي، فكان حلمه كحلم الفئة المتنورة من الشباب المغربي الطموح أن يغامر بالرحلة في طلب العلم إلى المشرق، إلى القاهرة، أو سوريا، أو بغداد للارتشاف من معين هؤلاء العلماء في جامعاتهم والحظوة بالتلمذة عليهم. وهكذا استقر رأيه للالتحاق بكلية آداب جامعة دمشق بسوريا، لكنه لم يمكث بها طويلاً لظروف علمها عند الله، لذا وبحصوله على شهادة السنة التحضيرية في الأدب عاد إلى وطنه المغرب وذلك سنة 1959.

ويعود الأستاذ بوعلو إلى المغرب، وتَيَسَّر له أن يلتحق بكلية آداب الرباط، ويُسْنَد إليه من طرف الأستاذ العميد محمد عزيز الحبابي (ت 1993) مهمة الإشراف على مكتبة كلية الآداب بعد أن اطمأن إليه وحظي بثقته. وسيجد في المكتبة ضالته ليعيش في ظلالها سنوات ويرتوي من مخزونها الأدبي والعلمي، ويحقق بذلك ما كان يطمح إليه وهو بعدُ التلميذ في المدرسة الثانوية.

وفي الوقت نفسه ينتظم الأستاذ بوعلو في صفوف طلبة شعبة الفلسفة بنفس الكلية، ويحصل على شهادة الإجازة في الفلسفة سنة 1961 مع نخبة من مجايليه (الأستاذ الجابري والطاهر واعزيز). ثم ليحصل على دبلوم الدراسات العليا سنة 1976 من نفس الكلية. هكذا انْتَسب إلى شعبة الفلسفة أستاذاً ثم رئيساً لها فترة من الزمن، وسيبقى وفياً لأستاذيته إلى أن حصل على التقاعد سنة 1997. إنه من الأساتذة الجامعيين الأوائل الذين التحقوا بكلية الآداب / جامعة محمد الخامس بالرباط أول إنشائها إدارياً ومدرساً وباحثاً ومؤطراً.

وباعتبار الطالب بوعلو كان شغوفاً بالقراءة والمطالعة منذ شغفه بالحرف والكلمة، فقد لَقِي في العمل المكتبي الذي أُسند إليه هَوىً في نفسه، لما كان للمكتبة من أدوار في الارتقاء بالفكر والثقافة، فكان ممن أسهموا في الستينات في بناء مسار مكتبة كلية آداب الرباط وفي الاستفادة من زوارها من الباحثين والأساتذة مغاربة ومشارقة. فهو كما يشير الأستاذ بنعبد العالي (1): “ذاكرة الكلية، إذ كان مكتبه مَحَجَّة لكثير من الأشخاص طلبة وأساتذة مغاربة وأجانب… كان منصب محافظ المكتبة مناسباً لبوعلو… عاش بين الكتب حتى آخر لحظة من حياته”.

كان للكتاب عند بوعلو حضور في شخصيته وتكوينه وإنتاجه. ومعروف أن المكتبة في كل بقاع الأرض هي المورد العذب لكل قارئ أو طالب علم، فكيف إذا كان ــ من طينة الأستاذ بوعلو ــ شغوفاً بالقراءة والمطالعة في كل وقت؟ لقد وجد في عمله المكتبي ضالته منذ أن عزف عن كل ما يبعده عن القراءة ثم الكتابة فيما بعد. يذكر الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي، وهو الأقرب إليه عائلياً وزميلاً وصديقاً، ما مفاده أن (1) “عناية الأستاذ بوعلو بالكتابة منذ أن كان تلميذاً بمدارس محمد الخامس، إذ سهر على إنشاء مجلة عنوانها ‘الرشيدة’، وتطورت علاقته بالكتابة فيما بعد سنة 1964 ليعمل على إنشاء مجلة ‘أقلام 1964 ــ 1982’ رفقة الأستاذ أحمد السطاتي وعبد الرحمن بنعمرو”. ويضيف قائلاً رواية عن الأستاذ محمد إبراهيم بوعلو ما نصه: “إن ‘أقلام’ ينبغي أن تظل مدرسة لتنشئة الكُتَّاب”. ويسجل الأستاذ بنعبد العالي في مقاله أيضاً شهادة الأستاذ العميد في حق بوعلو: “إنه معدن نفيس”.

لقد كان لهذه المجلة دور في حضور العديد من الكتابات، لمن مارس الكتابة واستلذها وأبدع فيها أو لغيرهم ممن أغواهم القلم من التلاميذ والطلبة. وكان للأستاذ بوعلو دور طلائعي في حضور كتابات متنوعة لفئة شباب متعطش إلى أن يبين عن قدرته على ممارسة الكتابة، لذا تحسب له خطوات رائدة في تشجيع حاملي القلم من الطلبة والكُتّاب وغيرهم لمزاولة هذه الحرفة، ليصبحوا فيما بعد رواد الفكر والقلم في مختلف الميادين بعد أن وجدوا في مجلة “أقلام” حِضْناً دافئاً لكتاباتهم. يقول الأستاذ عبد الإله المنصوري (2): “كانت الميزة الأساسية التي انفردت بها مجلة ‘أقلام’ في مرحلتها الثانية أنها وسَّعت انفتاحها على أقلام مغربية لتضم أسماء لامعة في المشهد الثقافي المغربي كالأستاذ محمد عابد الجابري ومحمد زنيبر ومحمد القبلي وكمال عبد اللطيف، ومن المشارقة حسن حنفي وعبد الوهاب البياتي وزكريا تامر وغيرهم. ففي جعبة هذه المجلة من المقالات ما يحكي عن الحياة الثقافية والاجتماعية في المغرب الشيء الكثير”.

ويتقصى هذا الطالب البار (المنصوري) في مقاله مجموعة من مقالات “أقلام” وأسماء كتابها، مما يشهد له الجميع بحنكة الباحث الرصين الموثق لمقالات هذه المجلة، مشيراً إلى ما حظي به بعض كتابها من العناية لنشر مقالاتهم وهم في مرحلة الدراسة الثانوية، كالأستاذ عبد النباوي الشاب في الثانوي حينها والذي يترأس الآن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذلك لمحمد أوجار الذي اعتلى مناصب مختلفة سياسية وصحافية. كما كان الأستاذ بوعلو من مؤسسي المجلة الثقافية “فكر ونقد” مع الأستاذ محمد عابد الجابري وعبد السلام بنعبد العالي سنة 1997، إذ يجد في القلم وسيلة لتحرير الفكر علمياً وأدبياً. ويختار ميداناً سيكون له نصيب في كتاباته المشرقة: القصة والقصة القصيرة، فألف مجموعة من القصص حيث عالم التخييل والإبداع، منها “السقف: مجموعة أقاصيص”، وصدرت سنة 1970 ثم في طبعتها الثالثة سنة 1984، و”الفارس والحصان” وصدرت سنة 1975، و”50 أقصوصة في خمسين دقيقة” سنة 1983، إلى غيرها من المجموعات القصصية التي بوأته مركز الصدارة في كتابة القصة القصيرة في المغرب. يقول الأستاذ نجيب العوفي (3): “كانت القصة القصيرة هواه ومبتغاه، أخلص لها الود والوفاء، فلم يجنح لسواها مع إطلالات مسرحية موازية لمشروعه القصصي… كاتب الظل، عاش بعيداً عن الأضواء الإعلامية التي صارت تجذب كتاب اليوم في مساق العولمة وحُمَيَّا التواصل… كان بوعلو يتوارى في المقاعد الخلفية والخلوات الهادئة الراقية منتَبِذاً مكاناً قصياً، يراقب المشهد وهو منخرط فيه وغائض في لجَّته”. ويذكر الأستاذ صدوق الدين (4): “محمد إبراهيم بوعلو احتفى بالجميع ولم يحتف به أحد”. ويعلق الأستاذ نجيب العوفي على هذا العُقوق بقوله (5): “والأُصَلاء المتواضعون دائماً، يمر بهم الناس مرور كرام”. وأضيف إلى ما ذكره زميلي وصديقي الأستاذ نجيب، إن العلماء والكتاب والمبدعين السلاويين عُرفوا بهذا التواضع منذ القديم، فكانوا يبتعدون عن الأضواء مع أنهم في مركز الصدارة في كل ميدان. وأعتقد أن هذا التواضع لم يعد مُجدياً اليوم في عصر التسابق والريادة، وهنا أودُّ أن أنبه إلى أن على المبدعين السلاويين أن يعتزوا بإنتاجاتهم ويعملوا على التعريف بها ويفتخروا بها في المرافق المختلفة، وأن لا يظلوا دائماً خارج السرب، مما يفوت عليهم الحضور المتألق في الساحة الفكرية والثقافية والإبداعية.

ويذكر الأستاذ صدوق نور الدين (6): “أن مجلة ‘فكر ونقد 1997’ جسدت امتداداً حقيقياً ‘لأقلام’، مستعيدة وفق الرؤية الجديدة والمستجدة وظيفة الفلسفة والأدب على المستوى الثقافي والاجتماعي، ومن ثم الجمع بين ما هو فكري ونقدي على السواء”. وهنا، لا يمكن أن نذكر بوعلو دون أن نشير إلى عنايته بالكتابة للأطفال بإصداره مجلة “أزهار”، باعتبار الطفل الصرح الذي ينبني عليه تقدم البلد وارتقاؤه.

ويقول الأديب أنيس الرافعي من كتَّاب القصة القصيرة في كلمة مختصرة عن التقصير في حق الراحل (7): “ظل بوعلو كاتباً متواضعاً ومبتعداً عن الأضواء… هو المؤسس الروحي للقصة القصيرة جداً، غادرنا في صمت مطبق، لم يكن من رجالات الأضواء، فتُقام الندوات لتكريمه والاعتراف بأفضاله أو إحداث جائزة لتخليد محصلة أدبه… لقد عمل على تأصيل جماليات المفارقة والتكثيف والوحدة القصصية، كان له السبق في توظيف السخرية وتخييل الحيوان وأنسنة الأشياء والنكتة والطرفة والترميز والإيحاء والأحلام… كان يكتب بالحد الأدنى للغة”.

وفي مقال للكاتب صالح البريني يقول (8): “بوعلو المثقف المختلف، من الأصوات الإبداعية المتميزة في أجناس أدبية مختلفة كالقصة القصيرة والأقصوصة، اسم إبداعي استثنائي نظراً لمنجزه السردي دون إغفال كونه رائداً من رواد فن القصة القصيرة جداً… إنه يمتلك وعياً فكرياً بمرجعية فلسفية… فالروح الفلسفية سرت وتسري في شرايين كتاباته الإبداعية”. وهنا لا يمكن أن أغفل الحديث عنه كمثقف في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم في الاتحاد الاشتراكي مع النخبة المثقفة من مجايليه أحمد السطاتي ومحمد عابد الجابري ومحمد الحبابي وغيرهم.

أما الطالب الوفي البار بأستاذه عبد الإله المنصوري فقد كتب فقرات مطولة ضمن مقاله “ملامح من مسارات الراحل” (9)، تحدث فيها عن مساره النضالي في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وفي النقابة الوطنية للتعليم العالي، ليبتعِد عن الساحة السياسية بعد وفاة الزعيم عبد الرحيم بوعبيد، معلناً فيما يبدو ــ دون تصريح بذلك ــ ما حدث من انزلاقات للسياسة الحزبية، فعزف بكل شموخ ورصانة إلى الابتعاد عنها والاشتغال بما يرضيه في الكتابة والتأليف. وهو من مؤسسي اتحاد كتاب المغرب في أوائل الستينات.

يتحدث الأستاذ المنصوري بشغف أيضاً عن أستاذه بوعلو وعن ريادته في حقل الإبداع والكتابة وعن تفوقه أولا في ممارسته مهنة أستاذ شدَّ انتباه الطلبة إليه في درسه الفلسفي، “فقد كان درسه الفلسفي عميقاً وممتعاً ومطبوعاً بطابع خاص في طريقة تدريسه”. وبذلك يعلن عن حضور متألق ولافت للنظر لهذا الأستاذ وهو يمارس مهمته التعليمية.

وقد أقامت مؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة وشعبة الفلسفة بكلية آداب الرباط وبيت الشعر في المغرب، باقتراح الأستاذ عبد الإله المنصوري ـــ عضو مؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة ـــ أربعينية الفقيد محمد إبراهيم بوعلو بكلية الآداب بالرباط يوم الجمعة 20 أبريل بمدرج الشريف الإدريسي بالكلية. أدار جلستها بتقنية ووفاء الأستاذ المنصوري، وشارك فيها الأستاذ عبد الصمد تمورو رئيس شعبة الفلسفة بالكلية، والأستاذ خالد السفياني أمين عام مؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة الذي قال عنه: “كان الأستاذ بوعلو مناضلاً سياسياً بامتياز، كان لا يحب الأضواء ويعيش في الظل”. ويشير الأستاذ السفياني إلى “أنه اتصل بأسرته كي تحضر اللقاء وأن تقول كلمة في حق الأستاذ، لكن أرملته كانت مشبعة برأيه وأنها لن تحضر التأبين، ولذا فهو يحترم هذا الرأي احتراماً لموقف المؤبَّن وصمته، وأن يكون تأبين بوعلو بداية لا نهاية”.

وذكر الأستاذ الشاعر مراد القادري رئيس بيت الشعر في كلمته الشاعرية: “بأن الخسارة التي يستشعرها مسقط رأسنا المشترك، وإحساس مدينة سلا بنزول أحد فرسانها من صهوته ليركب أجنحة الغياب… إن بوعلو هو أحد الآباء الرمزيين الكبار في المغرب للقصة القصيرة… إنه يعيش بروح الشاعر، تلك الروح التي تنتصر للإنسان ولمحبته، تلك الروح التي تشتبك بالحلم وبالتجديد وبالسعي نحو استثارة الجمال والخيال. لقد التصق محمد إبراهيم بوعلو بالمعنى الرحب للشعر خاصة في اللحظة التي يكون فيها معادلاً للكرامة الإنسانية”. أما الأستاذ حسن نجمي رئيس اتحاد كتاب المغرب سابقاً فقال: “إن بوعلو كان رجلاً متعدداً، رجلَ الكتابة القصصية أولاً وأخيراً، فهو الأستاذ الجامعي، المناضل في الحركة الثقافية والمناضل السياسي الملتزم. كان رجلاً يؤثر الفعل على الكلام، ويؤثر الصمت ويؤثر الظل، ويرى في صمته صمتاً أخلاقياً، صمتاً تربوياً، إذ يعبر عن عدم حاجته إلى الآخرين. كان حكيم اتحاد كتاب المغرب”. أما الأستاذ نجيب العوفي الذي ألقى كلمته المسجلة من تطوان، وكانت تقطر أدباً موجعاً على رحيل أديب عاش في الظل، وقد سبق له أن نشر تلك الكلمة التأبينية في جريدة الاتحاد الاشتراكي كما سبقت الإشارة. أما كلمة الأستاذ كمال عبد اللطيف التي ألقتها بالنيابة الأستاذة خديجة صابر لتعذر حضوره، فكانت كلمة تأبينية ملمَّة بمسار الأستاذ بوعلو، معرِّفة بإنتاجه وعطائه ونضاله الثقافي. وكان مسك الختام كلمة الأستاذ يوسف بن عدي، أحد طلبة الأستاذ بوعلو وأحد أساتذة الكلية، فتحدث عن مساره المهني بالكلية وعن شخصيته أستاذاً ومربياً. يقول (10): “لقد أدهشنا بطريقته البيداغوجية والتربوية الفريدة… كان يحبِّذ السجال والحوار، بل إنه كان يزُجُّ بنا فيهما زجّاً جميلاً واستدراجاً محكماً… كانت محاضراته عن طريق الحكي والسرد اللذين يضفيان على الفلسفة طابعاً حيوياً ودينامياً. وهذا ليس بعيداً عن انشغالاته وأعماله الجمالية والفنية والقصصية، حيث كان لا يحب أن يتوغل في تفاصيل حياة الفلاسفة اليومية وسيرتهم. أما أخلاقه فكانت تتسم بالمسؤولية والجدية والتفاني في العمل. لقد كان وسيبقى من رواد القصة المغربية، تشهد بذلك أعماله المتنوعة والكثيرة”.

ولعل ما أختم به هذا الموضوع ما سجله الأستاذ أحمد السطاتي (ت 2006) صديق الأستاذ بوعلو منذ البدايات في كلمته التقديمية لمجموعته القصصية “السقف” الصادرة ضمن منشورات أقلام سنة 1970، قوله (11): “لقد أحسستُ في معظم هذه القصص بصدق التجربة في عطاء الأخ بوعلو، ويتجلى ذلك أنه يغمس قلمه في واقع حيّ نعيشه، ولكننا لا نلتفت إليه؛ واقع نتعرف عليه ولكننا لا نعرفه… لقد استطاع بوعلو أن يستقي من هذا الواقع ـــ بفضل حاسته الفنية ـــ لوحاتٍ جديرة بالتأمل والتملي. جُلُّ شخصيات هذه اللوحات من السوقة وعامة الشعب؛ بسطاء في تفكيرهم وعيشهم، وكلهم في الوقت ذاته ضحايا قهر وحرمان، يصارعون في جلد وصبر أقدارهم ومصائرهم بدون عون وبدون رحمة”.

كان بوعلو كما ذكر الأستاذ السطاتي يشعر بما يجيش في أعماق العامة المكوية بلهيب القهر والحرمان، فكانت قصصه معبرة عن واقع مهزوم، متلفِّعة بإيحاءات ودلالات على القارئ الحصيف أن يفك رموزها، ويستوعب مضامينها. ويفصل الأستاذ السطاتي هذه النقطة بقوله: “إن معرفة الواقع وإدراك غرائبه وخباياه ومفارقاته وتناقضاته تقتضي تجاوزه والتعالي عليه لا للاستغراق فيه، وهي عملية لا يستطيع أن يقوم بها سوى مفكر أصيل أو فنان أصيل”.

وعلى الرغم من عزوف الأستاذ بوعلو عن المشاركة في الحياة العامة وإيثاره التدثُّر برداء الصمت، بعيداً عن الأضواء وعن أجواء المثقفين والمبدعين، مختلياً بنفسه يراقب ويسجل، وفي عوالمه يلتقط ما يلحظه من استغلال بشع للفئة المستضعفة، فإنه يتحدث باسمها ويعلن عن انتصاره لها بالدفاع عنها وجلوِّ همومها للعيان في مجموعاته القصصية المتنوعة بلغة واضحة ملبية لما يسجله قلمه بهدوء وبساطة. لقد أتاح لنا اليوم أن نبحر في عوالمه القصصية الباذخة وأن نفك عنه حصاراً فرضه على نفسه سواء تعلق الأمر بحياته أو بإبداعه. وكان في وفاء أبناء سلا (تمثلهم جمعية أبي رقراق، وجمعية سلا المستقبل، ومؤسسة سلا للثقافة والفنون) للراحل بوعلو ابن مدينتهم صورة من صور المحبة والتكريم والاعتزاز والتقدير، يلخصها إصدار هذا الكتاب التكريمي التأبيني بأقلام ثلة من أصدقائه وطلابه وغيرهم من الباحثين والمثقفين.

الهوامش:

  • محمد إبراهيم بوعلو من مواليد مدينة سلا يوم 28 مارس 1936، وكانت وفاته يوم 23 فبراير 2024.

  • مقال عنوانه: “مقاومة المظاهر” للأستاذ عبد السلام بنعبد العالي، نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 26 فبراير 2024.

  • “ملامح من مسارات الراحل محمد إبراهيم بوعلو… أكاديمي بارع، وأديب ماتع” مقال للأستاذ عبد الإله المنصوري، نشر بجريدة هسبريس بتاريخ 17 أبريل 2024، كما زودني به صاحبه مشكوراً يوم السبت 20 أبريل.

  • “محمد إبراهيم بوعلو كاتب الظل” لنجيب العوفي، جريدة الاتحاد الاشتراكي 23 مارس 2024.

  • “احتفى بالجميع ولم يحتف به أحد” مقال للأستاذ صدوق نور الدين، نشر بالملحق الثقافي لجريدة العلم بتاريخ 29 فبراير 2024.

  • نفس مقال الأستاذ نجيب العوفي.

  • نفس مقال الأستاذ صدوق نور الدين.

  • كلمة مختصرة للأستاذ أنيس الرافعي سجلها لإذاعة مونتي كارلو الدولية بتاريخ 25 فبراير 2024.

  • “المثقف المختلف” مقال للكاتب صالح البريني، الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 1 مارس 2024.

  • نفس مقال الأستاذ عبد الإله المنصوري، سبقت الإشارة إليه.

  • مقال عنوانه: “مسارات الراحل” للأستاذ يوسف بن عدي.

  • كلمة تقديمية للأستاذ أحمد السطاتي، ص 4 للمجموعة القصصية “السقف”.

  • -أستاذ فخري بجامعة محمد الخامس / الرباط

    The post الأديب بوعلو .. حضور وتألّق appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    اقرأ المقال كاملاً على Hespress