الأحزاب الأردنية الجديدة... من صناعة بوصلة التحديث السياسي إلى فقدانها
لم تكن الانتخابات البرلمانية التي أجريت في الأردن خلال أيلول/سبتمبر 2024، وحدها الكفيلة بإظهار مدى قدرة العديد من "الأحزاب الجديدة" التي تشكلت في مرحلة ما قبل تلك الانتخابات، على إيجاد موطئ قدم لها في المشهد السياسي، إنما شكلت مرحلة ما بعد الانتخابات التي شهدت مشاركة 36 حزباً أغلبها جديدة، اختباراً حقيقياً لها، لا سيما في ما يتعلق بأداء ممثليها في مجلس النواب، وكذلك حجم الحضور الشعبي.
وقبل نحو 5 سنوات، بدأ الأردن مسار التحول الديموقراطي، عندما أوعز الملك عبد الله الثاني بتشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، والتي أفضت إلى تمكين الأحزاب من الوصول إلى مجلس النواب بتخصيص 41 مقعداً لها من أصل 138 ستزداد تباعاً خلال الدورتين المقبلتين، للمضي نحو برلمان قائم على العمل الجماعي والبرامجي، وصولاً إلى تشكيل حكومات برلمانية تقودها الأحزاب.
وثمة من كان ينظر إلى تلك الأحزاب بأنها "صناعة رسمية" تهدف لسحب البساط من تحت هيمنة "حزب جبهة العمل الإسلامي" (حزب الأمة حالياً) الذي يعد الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في الأردن، إلا أن نتائج الانتخابات جاءت على عكس ذلك، إذ حصد الإسلاميون 31 مقعداً، بينها 17 من أصل 41 مخصصة للتنافس الحزبي، وبفارق كبير عن بقية الأحزاب.

صورة الأحزاب أمام الشارع
ما حدث من وجهة نظر الباحث في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة، أنه "كان هناك تزامن بين قانون الأحزاب الجديد وقانون الانتخاب، الأمر الذي أدى إلى تشكل أحزاب لغايات انتخابية، وهذا ما كان يعني بالضرورة أن هذه الأحزاب ستنشط قبل الانتخابات النيابية وستخمد بعدها بصورة سريعة، خصوصاً أنها لم تؤسس إلى علاقة واضحة مع كتلها الممثلة في البرلمان".
ويضيف الصرايرة لـ"النهار" أن "هذه الأحزاب لم تبن علاقة واضحة وصحية مع أعضائها في البرلمان، فهم يتصرفون بصورة فردية لا جماعية، وهو ما أثر على صورة هذه الأحزاب أمام الشارع، إضافة إلى أنها بنيت أساساً لأهداف انتخابية، إذ يُظهر ابتعادها عن القواعد الاجتماعية أنها ليست محافظة على هوية واضحة تضعها في مكان واضح في الطيف السياسي".
والمشهد ليس قاتماً بالنسبة للصرايرة، الذي يرى أن "هناك مجموعة من الأحزاب التي يمكن أن تستديم حضورها ويمكن حصرها في خمسة أحزاب فقط، إذ يمكنها أن تبقى على الساحة وأن تعمل على بلورة موقفها، لا سيما أن انتخابات الإدارة المحلية المقبلة ستكون بالنسبة لكل الأحزاب إما الفرصة أو المقبرة، لأن الحديث عن انتخابات الإدارة المحلية يعني تمثيلاً مباشراً للاحتياجات الخدمية والتنموية للقواعد الشعبية، فإذا لم تكن الأحزاب قادرة على الوصول للقواعد من خلال هذه الانتخابات، فإن ذلك يعني بأنها لن تستطيع أن تكمل إلى الانتخابات النيابية المقبلة والمشهد السياسي برمته".
#Analysis#
ضعف الامتداد الشعبي
أما الكاتب محمود الخطاطبة، فيشير من جهته إلى أن الساحة السياسية الأردنية شهدت خلال الأعوام القليلة الماضية ظهور موجة من الأحزاب الجديدة بشكل متسارع، خصوصاً بعد إقرار قانون الأحزاب السياسية لعام 2022 ضمن مخرجات مشروع تحديث المنظومة السياسية، مضيفاً أن التشريعات الجديدة قد تكون شجعت بطريقة أو بأُخرى على إعادة هيكلة الحياة الحزبية، ودمج الأحزاب القائمة وتأسيس أُخرى جديدة، بغية تهيئة الأرضية لقيام حكومات برلمانية حزبية مستقبلاً.
ويؤكد الخطاطبة لـ"النهار" أنه بعد مرور نحو عامين على انطلاقة معظم هذه الأحزاب، "لم تقدر على إثبات حضورها في الشارع الأردني"، إذ لا يزال كثير منها يعاني من ضعف الامتداد الشعبي، وبقاء تأثيره محصوراً في نخب سياسية أو مؤسسين.
وهنا، يلفت إلى أن الثقافة الحزبية في الأردن "لا تزال تواجه تحديات تاريخية تتعلق بضعف الثقة بالأحزاب، وتغليب الاعتبارات العشائرية والخدمية على العمل البرامجي والسياسي". كما أن بعض الأحزاب لم تنجح في الاختبار الحقيقي، والذي يتمثل في "القدرة على تقديم برامج واقعية، وبناء قواعد شعبية دائمة، وتحويل عضويتها التنظيمية إلى تأثير انتخابي وسياسي تلمسه القاعدة الشعبية".
وبشأن مستقبل تلك الأحزاب، يقول الخطاطبة إنه "مرهون بتعزيز حضورها في المجتمع، وخلق نماذج سياسية مقنعة، والابتعاد عن الواقع التقليدي القائم على الأفراد والعشائر"، وإلا فإن مصيرها "الفشل" كسابقاتها من الأحزاب.