اقتصاد المونديال في المغرب: كيف تعيد الحملات الدعائية تشكيل المشهد؟
أسهمت استعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 في إحداث تحوّل ملموس في بنية الاقتصاد، بعدما تجاوزت تجهيز الملاعب إلى إعادة تشكيل البنية التحتية والنقل والسياحة والاستثمار، في انتقال يعكس توجّهاً نحو نموذج تنموي أكثر ارتباطاً بالمشاريع الكبرى ذات البعد الدولي.
بالتوازي مع هذا الحراك الاستثماري، يتصاعد دور الحملات الدعائية والترويجية كأداة لإعادة تقديم المملكة كقوة اقتصادية صاعدة تربط بين أوروبا وأفريقيا، ووجهة جاذبة للاستثمار والسياحة على المستوى العالمي، بما يثير تساؤلات حول قدرة هذا التداخل بين الاستثمار والدعاية على تحويل الزخم الحالي إلى نمو مستدام يتجاوز الحدث الرياضي.

استثمارات كبرى
في سبيل تحقيق ذلك، تنفذ الحكومة المغربية واحداً من أضخم برامج الاستثمار في تاريخها، إذ خصصت نحو 19 مليار درهم لتطوير الطرق وتعزيز الربط بالملاعب والبنية التحتية الرياضية، وفي مقدّمها الملعب الكبير للدار البيضاء في بنسليمان.
يتعمق هذا التوجه مع اتساع نطاق المشاريع، إذ تشير التقديرات إلى أن كلفة مشاريع كأس العالم 2030 في المغرب قد تبلغ نحو 20 مليار دولار، بما يعادل قرابة 12% من الناتج المحلي، مع توقع تمويل نحو 70% منها عبر القروض البنكية المحلية، وفق وكالة "فيتش"، ما يبرز حجم التحديات التمويلية المصاحبة لهذا التوسع الاستثماري.
كذلك، يمتدّ هذا الزخم إلى تطوير شبكة النقل، عبر خطة لتوسيع الطرق السريعة بنسبة 40% بما يعادل 763 كيلومتراً، إلى جانب برنامج استثماريّ بقيمة 14 مليار دولار لتحديث المطارات والسكك الحديدية، بحسب وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، بما يعزز موقع المغرب كمركز لوجستي إقليمي.
ويتكامل ذلك مع تنفيذ خطط لمضاعفة الطاقة الاستيعابية للمطارات من 40 إلى 80 مليون مسافر بحلول نهاية العقد الجاري، وتوسعة شبكة القطار فائق السرعة "البُراق"، بما يدعم نمو القطاع السياحي، الذي استقطب نحو 20 مليون سائح خلال عام 2025 بنموّ 14%، مساهماً بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وبما يعزز فرص تحقيق مستهدف المملكة باستقطاب 26 مليون سائح قبل عام 2030، بدعم استثمارات تتجاوز الـ 8.1 مليارات درهم.
في قراءة لهذه التحولات، يرى الخبير الاقتصادي المغربي علي الغنبوري، في تصريحات لـ"النهار"، أن المغرب يشهد تسارعاً في وتيرة التحول الاقتصادي تقوده طفرة في الاستثمار، حيث جرى إطلاق برامج بنية تحتية تتجاوز الـ 90 مليار درهم في عام واحد، تشمل الطرق والمطارات والسكك الحديدية، بما يعكس انتقالاً نحو منطق المشاريع الكبرى المرتبطة بالرهانات الدولية.
.jpeg)
الحملات الدعائية ودورها
بالتوازي مع هذه التحولات، برزت الحملات الدعائية كعامل مكمّل للاستثمار المادي، إذ يمتدّ الرهان المغربي إلى تسويق المملكة كوجهة رياضية واقتصادية عالمية عبر حملة "يالاVamos 2030"، في إطار توظيف القوة الناعمة لتعزيز الحضور الدولي وجذب الاستثمارات والسياحة.
ويؤكد الخبير علي الغنبوري أن هذا التوجه لم يعد يقتصر على الترويج للحدث الرياضي، بل تحول إلى أداة استراتيجية لإعادة تقديم المغرب كوجهة استثمارية وسياحية، عبر تسويق البنية التحتية والفرص الاقتصادية في قطاعات النقل والطاقة والصناعة، وهو ما عزز اهتمام مستثمرين وشركات دولية، ولا سيما من أوروبا، بالمشاريع المرتبطة بالمونديال.
أثر تدريجي
مع هذا التحول الهيكلي، انعكس الأثر تدريجياً على مؤشرات الاقتصاد الكلي، إذ سجل المغرب نمواً يقارب الـ 4.7% خلال عام 2025، مع توقعات بتجاوزه الـ 5.3%. لكن هذا الأداء يظل محاطاً بتحديات خارجية، في ظل ارتفاع العجز التجاري بنسبة 20.8% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، ليصل إلى 159 مليار درهم (17 مليار دولار)، بما يعكس استمرار الضغوط على التوازنات الخارجية رغم الزخم الاستثماري.
يؤكد الغنبوري كذلك أن استدامة هذا الزخم، رغم استمرار الضغوط على التوازنات الخارجية، تظل مرهونة بربط الصورة الإيجابية والحملات الترويجية بإصلاحات هيكلية وبيئة أعمال تنافسية، بما يضمن تحويل الاهتمام الإعلامي والاستثماري إلى مكاسب اقتصادية طويلة الأجل.
يحذّر أيضاً من أن استدامة هذا المسار تواجه تحديات تتعلق بارتفاع كلفة المشاريع والضغوط على المالية العامة، وهو ما يتطلب دمج هذه المشروعات ضمن استراتيجية تنموية إنتاجية تتجاوز البعد التسويقي إلى خلق قيمة اقتصادية حقيقية، عبر توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، وربط البنية التحتية بالاقتصاد المحلي، والاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الحوكمة والشفافية، بما يضمن أن يتحول المونديال إلى رافعة تنموية تتجاوز فترة استضافة البطولة.
في المحصلة، يظل نجاح رهان المغرب على كأس العالم 2030 مرهوناً بقدرته على تحويل الزخم الاستثماري والترويجي إلى مكاسب اقتصادية وتنموية مستدامة، تمتد آثارها إلى ما بعد البطولة وتنعكس على الاقتصاد الحقيقي.