اعتصام دمشق في ذكرى الجلاء... من "بدنا نعيش" إلى حراك سياسي؟
دعت لجنة منظِّمة تضم ناشطين وصحافيين وحقوقيين إلى اعتصام في ساحة المحافظة بدمشق غداً الجمعة، تحت شعار "قانون - كرامة، بدنا نعيش"، في تحرّك يجمع بين مطالب معيشية وحقوقية، ويكتسب دلالة خاصة لتزامنه مع ذكرى الجلاء.
وحظيت الدعوة بدعم جهات سياسية ومدنية وشخصيات معروفة، بينها منتدى مسار، والحزب الدستوري السوري، والتحالف السوري الديموقراطي، والجبهة الليبرالية في مدينة التل، التي دعت بدورها أهالي القلمون وريف دمشق والغوطة إلى المشاركة، ما يوسّع نطاق التحرّك خارج وسط العاصمة. ومن أبرز الشخصيات التي أعلنت دعمها للاعتصام وليد البني وسمير نشار. ويكتسب هذا الدعم دلالة إضافية، إذ إن بعض هذه التيارات سبق أن شارك في اعتصام باب توما، الذي برز يومها بدقة تنظيمه وطابعه المتنوع والسلمي أكثر من حجمه.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن موقف مباشر عن الحكومة من الدعوة. وعلى مواقع التواصل، برزت أصوات منتقدة أو متحفظة، رأت أن التوقيت غير مناسب، وحذّرت من إمكان استغلال التحرّك من جهات تسعى إلى "ركوب الموجة" أو دفع الشارع نحو انقسامات وفتن، بحسب تعبيرها. كما أثارت تساؤلات حيال الجهة الفعلية التي تقف خلف الاعتصام، وما إذا كان يحمل فعلاً طابعاً معيشياً جامعاً، أم يشكّل مدخلاً لتحريك أجندات سياسية.
حراك عابر للاصطفافات
وفي هذا السياق، تؤكد اللجنة المنظمة لـ"النهار" أن الحراك يقدّم نفسه بوصفه "تقاطعاً بين فئات مهنية واجتماعية وسياسية متباينة، اجتمعت على شعور مشترك بتراجع الدور العام وغياب التشاركية الفعلية في إدارة الشأن العام". وتوضح أن القائمين على الدعوة هم شبان وشابات من حقوقيين ونشطاء مجتمع مدني وصحافيين وتجار وطلاب جامعات وأصحاب مهن متنوعة، اجتمعوا "بشكل عفوي" على مطالب واحدة في سياق وطني عابر للاصطفافات السياسية أو المناطقية أو المذهبية.
وفي توصيف مباشر لطبيعة الحراك، تضيف اللجنة أن "اعتصامنا هو فعل سياسي بامتياز"، معتبرة أن أزمات الخدمات والأسعار والخصخصة ومصادرة الأملاك ليست مجرد اختلالات معيشية، بل تعبير عن نهج سياسي يتجاوز حقوق الناس.
مطالب تتجاوز المعيشي
ووفق الدعوة، تتراوح المطالب بين المعيشي والسياسي. ومن أبرزها بناء قضاء مستقل، واحترام الحريات العامة وحق التعبير والتنظيم والتجمع السلمي، وتوسيع المشاركة عبر انتخابات للمجالس المحلية والنقابات، وتفعيل مسار العدالة الانتقالية، وحماية الملكيات الخاصة، ورفض أي سياسات تمييزية أو إعادة إنتاج للنظام السابق.
وترى اللجنة أن رسالتها إلى السلطة هي أن "زمن الصمت انتهى"، وأن "السلطة الانتقالية ليست مالكاً للبلاد، بل جهة يفترض أن تبقى ضمن حدود دورها وصلاحياتها، لا أن تتصرف وكأنها سلطة دائمة لا رقيب عليها".

بين الرقابة والاحتقان
في موازاة التحضير للاعتصام، أعلنت منظمة "العدالة للجميع" الحقوقية نيتها مراقبة الحدث ميدانياً. ويقول رئيس المنظمة إياد شربجي لـ"النهار" إن دور الفريق "فقط التوثيق" وفق معايير مهنية، موضحاً أن "فريقاً من خمسة محامين وثلاثة صحافيين سيتولى رصد مجريات الاعتصام وإعداد تقرير بعد انتهائه، على أن تشمل المراقبة أي تجاوز من أي طرف، سواء صدر عن المشاركين أو عن الجهة المكلفة حماية حق التظاهر". ويضيف أن "العدالة للجميع" مؤسسة حقوقية ناشئة "قيد التأسيس"، مهمتها مراقبة الحريات وتوثيق أي انتهاك يطالها.
وتأتي الدعوة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية خلال الشهرين الأخيرين، مع تراجع القدرة الشرائية وعودة أزمات مثل الغاز المنزلي وارتفاع كلفة خدمات أساسية كالكهرباء، من دون أن تنعكس الوعود الحكومية المتعلقة بتحسن الوضع الاقتصادي أو تدفق الاستثمارات على حياة الناس اليومية.
في الوقت نفسه، تراكمت خلال الأسابيع الماضية قرارات وتعاميم مست جوانب من الحريات الشخصية والنشاط العام، إلى جانب وقائع عكست توتراً في علاقة السلطة ببعض الأصوات العامة، مثل انتقادات رجل الأعمال السوري غسان عبود لسياسات الحكومة، وما أعلنه النائب السابق والناشط السياسي مأمون الحمصي عن ختم مكتبه بالشمع الأحمر تنفيذاً لقرار الحجر الصادر بحقه.
ويكتسب الاعتصام حساسية خاصة، إذ يأتي بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية نيتها إعداد مسودة لتنظيم التظاهرات والحركات الشعبية، في أعقاب التوتر الذي رافق الاحتجاجات أمام السفارة الإماراتية في دمشق. كما أنه لا يأتي من فراغ داخل العاصمة، التي شهدت في الأسابيع الماضية تحركات احتجاجية متفرقة، من بينها اعتصام باب توما ووقفة أصحاب البسطات أمام مبنى المحافظة احتجاجاً على قرارات الإزالة والغرامات.
وعليه، تتجاوز الدعوة للاعتصام في دمشق البعد المعيشي، وتشير الى تحول أوسع في طبيعة ما يتحرك داخل الشارع السوري. فبين تحركات خرجت بدوافع مطلبية مباشرة، وأخرى ارتبطت بقضايا خارجية أو بتوترات ظرفية، يبدو هذا الاعتصام أقرب الى محاولة لاستعادة حق الاعتراض والعمل السياسي من داخل البلاد. والسؤال الذي سيحمله يوم الجمعة لن يقتصر على حجم المشاركة، إنما سيتعداه إلى مدى استعداد الشارع لاحتضان هذا النوع من الاعتراض، وما اذا كانت السلطة ستتعامل معه كحق سياسي مشروع أم كتهديد ينبغي احتواؤه.