استهداف الجسور في إيران... تمهيد لهجوم بري؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

شكّل انتقال الضربات الأميركية خلال الأيام الأخيرة من المواقع العسكرية التقليدية إلى الجسور والطرق ومحطات النقل في جنوب إيران مؤشراً إلى دخول الحرب مرحلة مختلفة. وأعاد ذلك طرح تساؤلات عمّا إذا كان استهداف البنية التحتية يمهّد لمرحلة عملياتية تتجاوز الحرب الجوية، في وقت بات اختيار الأهداف يرتبط بدوره بشلّ حركة القوات والإمدادات، إلى جانب قيمتها العسكرية المباشرة، بما يوحي بأن واشنطن تسعى إلى تقليص قدرة المنظومة العسكرية الإيرانية على المناورة وإعادة الانتشار.

 

من تدمير القدرات إلى تعطيل المنظومة

 

جاءت الهجمات، التي طاولت عدداً من الجسور في محافظة هرمزغان، ومحطة القطارات في بندر عباس، وطرقاً رئيسية تربط الساحل بالداخل، بعد سلسلة عمليات ركزت على قواعد الحرس الثوري والدفاعات الجوية والبنى البحرية. ورغم الخسائر التي تكبدتها إيران، حافظت على قدرتها على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وعلى نقل جزء من قدراتها وإعادة نشرها على امتداد الساحل، ما قد يفسّر انتقال التركيز الأميركي إلى شبكة الحركة والإمداد التي تتيح للمنظومة العسكرية مواصلة عملياتها.

يقوم هذا التحول على منطق عسكري مختلف. ففاعلية الجيوش الحديثة ترتبط بحجم ترسانتها، كما ترتبط بقدرتها على تحريكها وإدامتها. وكلما طالت الحرب، ازدادت أهمية الطرق والجسور وخطوط السكك الحديدية التي تنقل الذخائر والوقود وقطع الغيار والقوات بين القواعد والموانئ ومواقع الإطلاق.

وتحظى هذه المعادلة بأهمية خاصة في جنوب إيران، حيث تنتشر قواعد بحرية ومنصات صاروخية ومخازن تحت الأرض على امتداد مئات الكيلومترات من الساحل. وتستند قدرة الحرس الثوري على المناورة إلى شبكة مواصلات تسمح بإعادة توزيع منصات الإطلاق والزوارق السريعة والمسيّرات بعيداً عن المواقع التي تتعرض للقصف، ثم إعادتها إلى الخدمة خلال فترة قصيرة.

لذلك، يحمل استهداف الجسور دلالة تتجاوز حجم الدمار الذي تسببه الضربة نفسها. فالجسر الذي يربط محورين رئيسيين قد يفرض على القوات الإيرانية استخدام طرق أطول وأكثر ازدحاماً، ويرفع الوقت اللازم لنقل التعزيزات والذخائر، ويجعل حركة الأرتال أكثر قابلية للرصد والاستهداف. ومع تكرار الضربات، تتحول شبكة النقل من عنصر قوة إلى نقطة ضعف تستنزف العمليات العسكرية يوماً بعد يوم.

يأتي ذلك امتداداً لعقيدة عسكرية اعتمدتها الولايات المتحدة في حروب سابقة، من العراق إلى صربيا، حيث ركزت الضربات في مراحل معينة على البنية التي تسمح للخصم بإدامة القتال، بعدما تبين أن تدمير المعدات وحده لا يكفي لتقويض قدرته العملياتية.

 

 

يكتسب هذا التحول أهمية إضافية لأن معظم الأهداف تقع في محيط مضيق هرمز، الذي تحول إلى مركز الثقل في المواجهة الحالية. فمن هذه المنطقة تنطلق الزوارق السريعة، وتنتشر بطاريات الصواريخ الساحلية، وتتمركز وحدات بحرية يعتمد عليها الحرس الثوري في تهديد الملاحة وفرض معادلة الردع في الخليج.

وترى واشنطن أن تقليص قدرة إيران على الحركة داخل هذا القطاع يوازي في أهميته تدمير منصات الإطلاق نفسها، لأن أي تأخير في وصول الذخائر أو الوقود أو التعزيزات ينعكس مباشرة على وتيرة العمليات البحرية، ويحد من قدرة طهران على المحافظة على الضغط العسكري في المضيق.

 

لماذا برز الحديث عن عملية برية؟

 

 

أعاد تغير بنك الأهداف إحياء نقاش كان محصوراً في الدوائر العسكرية، وهو احتمال انتقال الولايات المتحدة في مرحلة لاحقة إلى عمل بري محدود في جنوب إيران. ولم يصدر عن واشنطن ما يؤكد وجود قرار من هذا النوع، لكن تزامن ثلاثة عوامل غذّى هذه الفرضية: تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن العمليات "لم تنتهِ بعد"، والتوسع المستمر في استهداف البنية اللوجستية، والتقارير التي تحدثت عن اهتمام أميركي متزايد بجزيرة خرج.

لا تنطلق هذه القراءة من فكرة احتلال أراضٍ إيرانية واسعة،  إذ إن أي توغل داخل العمق الإيراني يحمل كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة، ويهدد بتحويل الحرب إلى مواجهة مفتوحة يصعب ضبطها. لذلك يدور النقاش حيال عمليات محدودة جغرافياً، هدفها السيطرة على عقد استراتيجية أو حرمان إيران من استخدامها خلال فترة زمنية معينة.

وتبرز جزيرة خرج في مقدمة هذه السيناريوات. فالجزيرة تمثل شريان تصدير النفط الإيراني، وتؤدي دوراً يتجاوز بعدها الاقتصادي، إذ تشكل أحد أهم مصادر تمويل الدولة والحرس الثوري خلال الحرب؛ وأي سيطرة عليها، أو حتى تعطيل طويل لمنشآتها، يوجه ضربة مباشرة إلى قدرة طهران على تمويل العمليات العسكرية وإدارة الاقتصاد في آن واحد.

من هذا المنطلق، يفتح استهداف الجسور والطرق في هرمزغان احتمال أن تكون الضربات تمهيداً لعمليات أوسع، إذ تصبح السيطرة على أي نقطة ساحلية أكثر سهولة بعد استنزاف خطوط الإمداد البرية المحيطة بها. وفي الوقت نفسه، قد تندرج هذه الضربات ضمن محاولة لرفع كلفة المواجهة على إيران وتعزيز الضغط التفاوضي عليها، من دون أن تعني بالضرورة التوجه نحو احتلال أراضٍ إيرانية.

ويميل السيناريو الثاني إلى قدر أكبر من الواقعية في المرحلة الحالية. فالإدارة الأميركية لا تزال تحرص على تقديم عملياتها باعتبارها حملة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتأمين الملاحة الدولية، بينما يفتح أي وجود بري الباب أمام التزامات طويلة الأمد يصعب التراجع عنها، كما يمنح طهران فرصة لتصوير الحرب باعتبارها دفاعاً عن الأراضي الإيرانية بوجه الاحتلال، وهو تطور قد يعزز التماسك الداخلي بدلاً من إضعافه.

 

منشأة نفطية في جزيرة خرج الإيرانية المطلة على الخليج، 12 آذار/مارس 2017. (أ ف ب)

 

كيف يمكن أن ترد إيران؟

في المقابل، يفرض هذا التحول على القيادة الإيرانية إعادة تقييم خياراتها العسكرية. فكلما توسعت الضربات لتشمل البنية التحتية، ارتفعت كلفة أي رد إيراني بالصواريخ أو المسيّرات، وسط تهديد أميركي بتوسيع بنك الأهداف ليشمل مزيداً من عناصر شبكة النقل والطاقة والاقتصاد. وقد ردت طهران بالتلويح باستهداف منشآت النفط والغاز والكهرباء في المنطقة إذا نفّذت واشنطن تهديداتها الأخيرة ضد البنية التحتية الإيرانية.

وتحتفظ طهران بعدة أوراق ضغط، ينطوي كل منها على مخاطر مختلفة. فإغلاق مضيق هرمز يبقى الخيار الأكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي، إلا أنه يحمل أيضاً أعلى درجات التصعيد، لأنه يهدد بتوسيع المشاركة العسكرية الغربية والخليجية، ويمنح واشنطن مبرراً لتكثيف عملياتها ضد البنية البحرية الإيرانية. ولهذا تبدو طهران أقرب إلى إدارة التهديد بالمضيق واستهداف سفن مختارة، بدلاً من المضي نحو إغلاقه بالكامل.

 

أما نقل الضغوط إلى باب المندب عبر الحوثيين، فيوفر هامشاً أوسع للمناورة، إذ يسمح بالتأثير على التجارة الدولية مع الإبقاء على مسافة بين القرار الإيراني والتنفيذ الميداني، رغم أن واشنطن باتت تربط بصورة أكثر وضوحاً بين عمليات الجماعة وطهران، ما يقلص هذا الهامش تدريجاً.

ويبقى استهداف القواعد الأميركية أو البنى التحتية النفطية في دول الخليج الخيار الأكثر مباشرة لإيصال رسالة عسكرية، لكنه قد يرفع كلفة الحرب عالمياً، ويقوض الحياد الذي حافظت عليه دول المنطقة، ويدفعها إلى تعاون عسكري أوثق مع واشنطن، بما يوسع نطاق المواجهة.

 

عنصر موالٍ للحوثيين يدوس العلمين الأميركي والإسرائيلي خلال فعالية طلابية داعمة للجماعة في صنعاء، 22 تموز/يوليو 2026. (أ ف ب)


مرحلة مختلفة من الحرب

 

ترسم الضربات على الطرق والجسور ملامح مرحلة تقوم على خنق الحركة قبل تدمير القدرات العسكرية. وتتعامل واشنطن مع جنوب إيران بوصفه منظومة مترابطة تضم الموانئ والقواعد والطرق والسكك الحديدية ومصادر الطاقة، فيما تسعى إلى فصل هذه العناصر بعضها عن بعض وجعل تشغيلها أكثر بطئاً وكلفة.

وتبقى فرضية العملية البرية محدودة الاحتمال ما دامت الضربات الجوية قادرة على تحقيق هذا الهدف، خصوصاً أن السيطرة على جزيرة خرج أو موطئ ساحلي تفرض التزامات تتجاوز كلفة العملية الأولى. لكن استمرار تهيئة المجال الجغرافي واتساع استهداف خطوط الإمداد يبقيان هذا الخيار مطروحاً ضمن أدوات الضغط ورسائل الردع، حتى في غياب قرار سياسي بتنفيذه.

ويشير هذا التحول إلى اتساع نطاق الأهداف ليشمل بنية تؤدي أدواراً عسكرية ومدنية في الوقت نفسه، ما يعني أن آثار الضربات لم تعد تقتصر على تعطيل العمليات العسكرية، وإنما تمتد إلى الاقتصاد وحركة النقل والخدمات. ومع انتقال الصراع إلى استهداف مقومات الاستمرار، تتجاوز المواجهة حسابات عدد الصواريخ والطائرات المدمرة، لتصبح معركة استنزاف مفتوحة، يحاول فيها كل طرف دفع الآخر إلى الاقتناع بأن مواصلة الحرب باتت أكثر كلفة من إنهائها.


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية