استقلالية وفعالية المجلس الأعلى للحسابات: الإشادة الدولية ليست نهاية المسار

مقدمة

بمناسبة صدور التقرير الأخير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) حول استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة، وما تضمنه من إشادة بالتجربة المغربية في مجال التنسيق والتعاون المؤسساتي الذي يقوده المجلس الأعلى للحسابات، يبرز من جديد النقاش حول موقع هذه المؤسسة الدستورية داخل منظومة الحكامة العمومية بالمغرب.

وتكتسي هذه الإشادة أهمية خاصة لأنها لا تتعلق فقط بالضمانات القانونية والدستورية التي يتمتع بها المجلس الأعلى للحسابات، وإنما تمتد إلى جانب أكثر عمقاً يتمثل في قدرته على بناء جسور التعاون والتنسيق بين مختلف الفاعلين المعنيين بمنظومة الرقابة على المال العام، وتعزيز الشفافية والنزاهة والمساءلة.

ولا شك أن هذا الاعتراف الدولي يعكس التطور الذي عرفته التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى ترسيخ استقلالية المجلس، أو توسيع مجالات تدخله، أو تعزيز حضوره في النقاش العمومي حول الحكامة المالية.

غير أن قيمة هذه الإشادة لا تكمن فقط في تثمين المنجز، وإنما أيضاً فيما تفتحه من أفق للتفكير في المرحلة المقبلة. فالتجارب المؤسسية الناجحة لا تتوقف عند حدود الاعتراف بما تحقق، بل تجعل منه قاعدة للانتقال نحو مستويات أعلى من الفعالية والأثر.

ومن ثم فإن السؤال هنا والآن، لم يعد يتعلق بمدى أهمية المجلس الأعلى للحسابات أو مشروعية وجوده، فهذه مسألة حسمها الدستور والممارسة والتراكم المؤسسي، وإنما يتعلق بمدى قدرة منظومة الحكامة برمتها على تحويل المعرفة الرقابية إلى إصلاحات فعلية ومستدامة.

من الرقابة إلى المحاسبة (المساءلة) – الإطار المفاهيمي

 التمييز بين الرقابة والمساءلة

الرقابة هي وظيفة مؤسساتية وتقنية وقضائية تهدف إلى:

  • التحقق من المشروعية؛
  • مراقبة الانتظام؛
  • تقييم الأداء والكفاءة والفعالية؛
  • كشف الاختلالات وتحديد المخاطر.

أما المساءلة فهي عملية أشمل تتضمن عملية تقديم الحساب وعملية الجواب على الأسئلة والملاحظات المترتبة على عملية فحص الحساب وتحمل العواقب الناجمة عن هذا الجواب. وهي عملية مركبة ومتسلسلة تتطلب:

  • معلومات موثوقة؛
  • فاعلاً مسؤولاً؛
  • جهة قادرة على المحاسبة؛
  • آليات للتصحيح أو الجزاء؛
  • تتبعاً للأثر والنتائج.

وبهذا المعنى، فإن الرقابة شرط ضروري للمساءلة، لكنها ليست كافية لتحقيقها.

         المجلس الأعلى للحسابات كحلقة مركزية لا كفاعل منفرد

تُظهر الأدبيات المقارنة أن الأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة ليست مجرد أجهزة تدقيق، بل هي:

  • حارس المال العام؛
  • منتج للمعرفة الرقابية؛
  • وسيط مؤسساتي بين الإدارة والبرلمان والمجتمع.

غير أن فعاليتها الحقيقية لا تُقاس باستقلالها فقط، بل بمدى اندماجها داخل منظومة حكامة متكاملة.

التحول الدولي نحو نسقية المساءلة

تشير التحولات الحديثة في الفكر الرقابي الدولي إلى انتقال تدريجي من التركيز على الاستقلالية الشكلية للأجهزة العليا للرقابة إلى التركيز على فعالية المنظومة ككل.

وفي هذا السياق، يكتسي تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أهمية خاصة، إذ أبرز تجربة المجلس الأعلى للحسابات المغربي في مجال التنسيق المؤسساتي، واعتبرها نموذجاً يعكس تطوراً في فهم الاستقلالية ذاتها.

فلم تعد الاستقلالية تعني الانعزال المؤسسي، بل أصبحت تعني:

القدرة على التعاون والتنسيق دون تبعية أو خضوع.

وبذلك، يصبح المجلس الأعلى للحسابات جزءاً من منظومة تضم:

  • البرلمان؛
  • الحكومة؛
  • أجهزة التفتيش والرقابة الداخلية؛
  • هيئات النزاهة ومحاربة الفساد؛
  • القضاء؛
  • الإعلام المهني؛
  • المجتمع المدني؛
  • الجامعة ومراكز البحث.

دستور 2011 وبناء فلسفة المساءلة النسقية

تجدر الإشارة إلى أن فكرة المقاربة النسقية في الحكامة والمساءلة ليست طارئة، بل تعود جذورها إلى التحولات الدستورية التي عرفها المغرب مع دستور 2011. فقد شكل هذا الدستور منعطفاً في الانتقال من منطق المؤسسات المنفصلة إلى منطق منظومة الحكامة المتكاملة.

وفي هذا الإطار، سبق لي أن أكدت في عدد من الدراسات والمداخلات العلمية والإعلامية، التي واكبت تلك المرحلة، على ضرورة تجاوز المقاربة التجزيئية للرقابة والمساءلة، وبناء نظام متكامل للمساءلة يقوم على التنسيق والتكامل وتبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات.

وقد كان مدعاة للارتياح العميق، أن تبنى المشرع الدستوري فعلياً هذا التوجه من خلال:

  • ترسيخ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛
  • تعزيز دور المؤسسات الرقابية؛
  • إرساء هيئات الحكامة الجيدة؛
  • تقوية منطق التعاون المؤسساتي.

ومن ثم، فإن ما يشهده اليوم النقاش الدولي حول “النسقية المؤسسية” يجد جذوره في هذا التحول الدستوري المبكر الذي حققه المغرب على المستوى الوطني، وهو الآن يحصد ما جنت يداه على مستوى الاعتراف الدولي، على هذا المجهود المنغرس عميقا في بيئتنا الدستورية والقانونية والمؤسساتية

المجلس الأعلى للحسابات – المكتسبات المؤسسية

حقق المجلس الأعلى للحسابات بالمغرب تطوراً ملحوظاً خلال العقدين الأخيرين، من أبرز مظاهره:

  • ترسيخ الاستقلالية الدستورية والقضائية؛
  • تطوير رقابة الأداء إلى جانب رقابة الامتثال أو الالتزام؛
  • توسيع مجالات التدخل (الأحزاب، التصريح بالممتلكات، تقييم السياسات والبرامج العمومية)؛
  • تعزيز نشر التقارير وشفافية النتائج؛
  • الانفتاح التدريجي على الإعلام وإلى حد ما على النقاش العمومي.

وقد ساهم هذا التطور في:

  • كشف اختلالات بنيوية في التدبير العمومي؛
  • تعزيز النقاش حول الحكامة؛
  • إرساء أثر ردعي ومعنوي مهم؛
  • رفع منسوب الوعي الرقابي والانضباط الذاتي لدى الفاعلين العموميين.

حدود الأثر – أين يتعثر التحول؟

رغم هذه المكتسبات، لا يزال أثر الرقابة والمحاسبة يواجه عدداً من التحديات، من أبرزها:

  • ضعف تتبع تنفيذ التوصيات؛
  • محدودية المساءلة السياسية؛
  • تفاوت تجاوب الإدارات العمومية؛
  • ضعف التفاعل البرلماني مع التقارير؛
  • غياب مؤشرات دقيقة لقياس الأثر؛
  • استمرار الخلط بين الرقابة القضائية والزجرية.

وهنا يتضح أن الإشكال الأساسي لا يكمن في إنتاج المعرفة الرقابية، بل في تحويلها إلى فعل إصلاحي متوافق عليه.

من الاستقلالية إلى النسقية – إعادة تعريف الفعالية

تؤكد التجارب المقارنة أن فعالية الأجهزة العليا للرقابة المالية العامة والمحاسبة لا تتحقق فقط عبر استقلاليتها، بل عبر قدرتها على العمل داخل شبكة مؤسساتية متكاملة.

وفي هذا السياق، فإن الإشادة التي خص بها تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التجربة المغربية، تعكس انتقالاً مفاهيمياً مهماً:

  • من استقلالية المؤسسة إلى استقلالية المنظومة؛
  • من الرقابة المنعزلة إلى المساءلة المتكاملة؛
  • من التقارير إلى الأثر؛
  • من التشخيص إلى التغيير.

 

نحو منظومة مساءلة عامة نسقية

إن تعظيم أثر المجلس الأعلى للحسابات يقتضي بناء منظومة مساءلة تقوم على التكامل بين الفاعلين:

المجلس الأعلى للحسابات

  • إنتاج رقابة مستقلة؛
  • تطوير تقييم السياسات العمومية؛
  • تعزيز قياس الأثر.

البرلمان

  • تفعيل المساءلة السياسية؛
  • تتبع تنفيذ التوصيات؛
  • ربط المسؤولية بالنتائج.

الحكومة والإدارة

  • إدماج نتائج الرقابة في الإصلاح؛
  • تنفيذ التوصيات؛
  • تحمل المسؤولية التدبيرية.

هيئات الحكامة

  • التنسيق وتبادل المعلومات؛
  • تقليص التداخل المؤسسي؛
  • تعزيز التكامل الوظيفي.

المجتمع المدني والإعلام والجامعة

  • نشر المعرفة الرقابية؛
  • تقييم الأثر المجتمعي؛
  • تعزيز ثقافة المساءلة.

آليات الانتقال من التوصية إلى الأثر

من أجل تجاوز فجوة التنفيذ، يمكن اعتماد:

  • نظام وطني لتتبع تنفيذ التوصيات؛
  • تقارير دورية حول مستوى الإنجاز؛
  • جلسات برلمانية منتظمة لمناقشة تقارير المجلس وتتبع تنفذ توصياته؛
  • مؤشرات كمية ونوعية لقياس الأثر؛
  • رقمنة تبادل البيانات بين المؤسسات؛
  • تقييم دوري للعائد المالي والمؤسساتي للرقابة.

ختاما: من مؤسسة رقابة ومحاسبة إلى رافعة للحكامة

إن المجلس الأعلى للحسابات مؤسسة دستورية محورية في حماية المال العام وتعزيز الحكامة. غير أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في إثبات أهميته، بل في تعزيز أثره داخل منظومة المساءلة العامة.

فالإشادة الدولية التي تضمنها تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لا تمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة تقوم على:

  • تعميق التنسيق المؤسساتي؛
  • تقوية التفاعل بين الفاعلين؛
  • تحويل المعرفة الرقابية إلى إصلاحات ملموسة؛
  • بناء ثقة مستدامة في المؤسسات.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الحكامة المالية بالمغرب لن يتحدد فقط بقوة مؤسسة رقابية واحدة، بل بقدرة المنظومة بأكملها على العمل كمنظومة مساءلة نسقية متكاملة.

وعندها فقط، يتحول المجلس الأعلى للحسابات من جهاز رقابي قوي إلى رافعة استراتيجية لإنتاج القيمة العمومية والتنمية والثقة المؤسسية بما لا يقاس بمستواه الحالي.

اقرأ المقال كاملاً على لكم