استعراض القوّة بين أميركا وإيران يضع الوساطة الباكستانية على المحك
تمرّ الولايات المتحدة وإيران بذلك المسار الضيق الذي يفصل بين العودة إلى الحرب أو المضي في إرساء مستلزمات السلام، عبر التوصل إلى اتفاق ينطوي على تنازلات مؤلمة من الطرفين، لكنها تبقى أقلّ كلفة عليهما من مخاطر الخيار العسكري.
واشنطن وطهران، كلتاهما، تستعرضان قوتيهما قبل الجلوس مجدداً إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، أو قبل استئناف العمليات العسكرية، وتالياً انهيار الوساطة الباكستانية غداة انتهاء هدنة الـ15 يوماً.
استعراض القوة قبل التفاوض
البحرية الأميركية، التي تفرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية منذ 13 نيسان/أبريل، تمنع السفينة التجارية الإيرانية "توسكا" من خرق الحصار، وينفّذ جنود أميركيون إنزالاً على متن السفينة، وينشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدة يشيد فيها بنجاح العملية، على أنها صورة نصر يبحث عنها قبل الدخول المنتظر للوفد الأميركي إلى قاعة المفاوضات في فندق سيرينا بإسلام آباد، حيث عقدت محادثات الأسبوع الماضي.
لم تعد مرامي ترامب خافيةً. إنه يريد التفاوض في ظلّ الحصار البحري، أملاً في إقناع المسؤولين الإيرانيين بأنه يملك من عناصر القوة ما يجعلهم يستجيبون للمطالب الأميركية.
وإيران، التي توعدت بـ"الرد قريباً على القرصنة المسلّحة التي ارتكبها الجيش الأميركي"، تستعرض بدورها قوتها المستمدة من إرباك الاقتصاد العالمي انطلاقاً من مضيق هرمز، الذي عاودت إغلاقه السبت، وأمرت ناقلات نفط بالعودة أدراجها، ووصلت الرسالة إلى أسواق النفط، فارتفعت مجدداً، بعدما كانت هوت إلى ما دون الـ90 دولاراً عقب تغريدات مهدئة أطلقها ترامب الخميس والجمعة بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران.
والآن، يغرّد النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف على وسائل التواصل الاجتماعي: "لا يمكن تقييد صادرات النفط الإيرانية وتوقع أمن مجاني للآخرين... الخيار واضح: إما سوق نفط حرة للجميع، أو المخاطرة بتكاليف باهظة للجميع".
وأتبعت وسائل إعلام إيرانية رسمية ذلك بأن طهران ترفض إجراء محادثات سلام جديدة، نظراً إلى الحصار المستمر ولهجة التهديد الأميركية ومواقف واشنطن المتقلبة و"مطالبها المفرطة"، في إشارة إلى تهديد ترامب بـ"تدمير إيران بأكملها" إذا رفضت "العرض العادل والمقبول" الذي يحمله الوفد الأميركي إلى إسلام آباد.

الوساطة الباكستانية بين الضغط والتعقيد
وسبق لإيران أن أعلنت عدم مشاركتها في جولات سابقة من المفاوضات، لتعود وتشارك فيها. وليس من مصلحة طهران الآن أن تضع الوسيط الباكستاني في موقف محرج في حال إصرارها على عدم المشاركة في الجولة الجديدة من الحوار، التي مهدت لها زيارة قائد الجيش الباكستاني الماريشال عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية الأسبوع الماضي.
وهذا ما حمل منير على تكثيف اتصالاته مع الجانبين في محاولة جديدة لإقناعهما بالقدوم إلى إسلام آباد غداً الثلاثاء. وبحسب "رويترز"، فإن الماريشال الباكستاني اتصل بترامب، وأبلغه بأن حصار هرمز يشكل عقبة أمام المفاوضات، وأن الرئيس الأميركي وعده بالنظر في الأمر.
لكن إيران تريد المشاركة وهي تملك رافعة أكبر في مواجهة المطالب الأميركية. ذلك يبدأ من هرمز ويمرّ بالتلويح أيضاً بإغلاق باب المندب، إلى مصير 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، إلى القدرات الصاروخية وتحالفاتها في الإقليم. وحتى التردد في الذهاب إلى إسلام آباد هو جزء من استراتيجية التفاوض الإيرانية.
العقدة الأساسية الجاري التفاوض في شأنها، سواء انعقدت محادثات إسلام آباد أم لم تنعقد، هي إيجاد مخرج لمسألة تخصيب اليورانيوم. وأظهرت طهران انفتاحاً الأسبوع الماضي على القبول باقتراح أميركي تجميد التخصيب لمدة 20 عاماً، لكنها اشترطت أن يكون في وسعها القيام بتخصيب محدود بعد مضي عشرة أعوام.
وتبقي إيران ورقة هرمز في يدها إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي مع الولايات المتحدة، يضمن عدم تعرضها لمزيد من الحروب الأميركية والإسرائيلية في المستقبل.