استباق هرمز: الصين بين قراءة الواقع واستشراف المستقبل
د. طلال الخزرجي- طبيب وكاتب
في عالم لا تزال فيه غالبية الاقتصادات الكبرى رهينة لممرات مائية ضيقة، تبرز الحالة الصينية كنموذج استثنائي في فن الاستباق الاستراتيجي، ليس لأنها تمتلك أسطولاً بحرياً قادراً على حماية ناقلاتها، بل لأنها أعادت تعريف المشكلة ذاتها. فبينما تنشغل مراكز الأبحاث الغربية بوضع سيناريوات لإدارة تداعيات إغلاق مضيق هرمز، تعاملت الصين مع هذا الممر لا كأزمة محتملة يجب الاستعداد لها، بل كنقطة ضعف هيكلية في النظام العالمي يجب تجاوزها بالكامل. وهذا الاختلاف الجوهري في زاوية الرؤية هو ما يفسر لماذا لم تقع بكين، ولن تقع، في فخ الابتزاز الجيوسياسي المرتبط بهذا المضيق، ولماذا يعتبر تقدمها في هذا الملف مؤشراً على تحول في فلسفة الدولة حيال الأمن الطاقوي. الإطار النظري الذي تبنته الصين منذ مطلع الألفية الحالية يستند إلى مبدأ "الاستقلال النسبي عن النفط البحري"، وهو مفهوم يتجاوز فكرة تأمين الإمدادات إلى فكرة إعادة تعريف الإمدادات نفسها. فبدلاً من تركيز الجهود على حماية الناقلات في مياه الخليج العربي، وهو حل موقت ومكلف، شرعت بكين في مشروع مزدوج البعد: الأول، إعادة هيكلة مزيج الطاقة عبر تسريع الاعتماد على الكهرباء المتجددة والنووية، بحيث أصبح قطاع النقل لديها الأقل اعتماداً على النفط بين الاقتصادات الكبرى، مع استحواذ السيارات الكهربائية على ما يقارب نصف المبيعات الجديدة بحلول عام 2025، مما أدى إلى اقتطاع أكثر من مليون برميل يومياً من الطلب المحلي. والآخر، إعادة توجيه البنية التحتية للإمداد عبر إنشاء ممرات برية عملاقة من روسيا وآسيا الوسطى، وخطوط أنابيب ليست مجرد بدائل، بل أصبحت العمود الفقري لنظام إمدادٍ قادر على العمل حتى في حال إغلاق كامل للمضيق، حيث تغطي هذه الخطوط البرية حالياً أكثر من 40% من احتياجاتها الهيدروكربونية.
ما يميز الاستراتيجية الصينية حقاً هو أنها لم تتعامل مع مضيق هرمز كمشكلة لوجستية، بل كمسألة زمنية بامتياز. فالمخزون الاستراتيجي الصيني الذي يُقدر بأكثر من 1.4 مليار برميل، لا يكفي فقط لتغطية ستة أشهر من الاستيراد، بل صُمم ليكون وسادة أمان تتيح للصين مدة انتقالية كافية لتشغيل قدراتها البديلة من دون أي هزة في الأسواق المحلية. وهذا يختلف جذرياً عن سياسات الدول الأخرى التي تخزن النفط لمواجهة ارتفاع الأسعار، بينما تخزنه الصين لمواجهة انقطاع التدفق بالكامل. والأكثر عمقاً من ذلك، أن التوجه نحو الطاقة النظيفة أدى إلى فك الارتباط بين النمو الاقتصادي واستهلاك النفط الخام، بحيث أصبح بإمكان الصين تحقيق نمو مضطرد مع زيادة ضئيلة أو حتى انخفاض في وارداتها النفطية، مما يجعل تأثير أي حصار بحري على ناتجها المحلي الإجمالي محدوداً للغاية مقارنة بأي اقتصاد آخر مماثل في الحجم.
إن النجاح الصيني في هذا الملف لم يأت نتيجة ذكاء تكتيكي طارئ، بل نتيجة استشراف منهجي قائم على قراءة دقيقة للمتغيرات الجيوسياسية بعقود من الزمن. فبينما كانت الدول الغربية تراهن على استمرار النظام البحري الحالي، كانت الصين تبني نظاماً موازياً لا يعتمد عليه. وهنا يكمن الدرس الحقيقي: التقدم الاستراتيجي لا يُقاس بقدرة الدولة على اجتياز الأزمات، بل بقدرتها على إعادة تصميم أنظمتها بحيث تصبح الأزمة ذاتها غير ذات موضوع. الصين لم تنجح في تجنب أزمة مضيق هرمز لأنها استعدت لها، بل نجحت لأنها جعلت من نفسها دولة لا يحتاج مضيق هرمز إلى إغلاقه لكي تتأثر، بل أصبح إغلاقه مجرد حدث إعلامي لا يترك أثراً ملموساً على عجلة إنتاجها أو استقرار مجتمعها. غير أن الحكمة الصينية في هذا الملف، وإن كانت تستحق التوقف عندها كنموذج استثنائي في الاستباق، لا ينبغي أن تُقرأ على أنها حالة من العزلة الاختيارية عن فوضى النظام العالمي، بل كشكل متطور من أشكال الوجود داخل اللعبة بقوانين مختلفة. فالدولة التي تعيد تعريف نقاط ضعفها لا تعني أنها تخرج من الحلبة، بل تعني أنها تغير دورها فيها من "المرتهن" إلى "المؤثر". وهنا يكمن البعد المكمّل للاستراتيجية الصينية، والذي تغفله القراءات السطحية: الصين لم تكتفِ ببناء أنابيب ومخزون، بل انخرطت بعمق في ديبلوماسية الممر المائي نفسه، فباتت طرفاً فاعلاً في استقرار مضيق هرمز عبر توازناتها المتقنة مع إيران والسعودية والإمارات ودول الخليج، لا لأنها تحتاج نفطه بقدر ما تحتاج إلى استقرار سعره العالمي الذي يؤثر في تنافسية منتجاتها. وهي بذلك تقدم نموذجاً أرقى من مجرد "تجنب الأزمة"، إنه نموذج "امتلاك القدرة على تحمل وطأة الأزمة، وفي الوقت ذاته امتلاك أدوات التأثير في مجراها". فالقيادة الاستراتيجية للدولة العظمى ليست في أن تمنع المشكلة من الوصول إليها بالكامل، فهذا وهم في عالم مترابط، بل في أن تجعل وصولها إليها مجرد وميض عابر لا يترك في جدارها صدعاً، وفي أن تحول نقاط ضعفها السابقة إلى منصةٍ للتفاعل مع الآخرين من موقع قوة، لا من موقع حاجة. وبهذا المعنى، فإن الصين لم تخرج من معادلة هرمز، بل أعادت كتابتها، وهي تعلن بذلك للعالم أن أقوى ما تمتلكه الدولة ليس أسطولها، ولا حتى مخزونها، بل قدرتها على تحويل التهديد إلى متغيرٍ في معادلة توازنها، لا إلى ثابت يحدد مصيرها. إن الدرس الأعمق الذي تتركه هذه التجربة ليس في تفاصيل الخطط أو حجم البدائل، بل في التحول الجوهري في زاوية النظر ذاتها. فالدولة التي تتعامل مع التهديدات كمعادلات زمنية، لا كحواجز نهائية، تكون قد انتزعت من الخصوم سلاح الابتزاز قبل أن يفكروا في استخدامه. إنها تنتقل من منطق "كيف نحمي أنفسنا؟" إلى منطق "كيف نعيد تشكيل الظروف بحيث لا تعود الحماية ضرورية؟". وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الدول التي تراهن على قوة الردع وإدارة الأزمات تظل أسيرة للحظة الراهنة، بينما الدول التي تستثمر في قراءة التحولات الكبرى قبل ولادتها تكون قد صنعت مستقبلها بيديها، لا بانتظار ما تجود به رياح الجيوسياسية. فكما أن الأمي الحقيقي فى مقياس العصر الراهن من لا يقرأ الواقع، فالدولة المتأخرة بالمقياس نفسه من لا تقرأ المستقبل. والتقدم الحقيقي يبدأ حيث تنتهي قراءة الحاضر وتبدأ قراءة الغد...