اختيارات بيداغوجية

الاختيارات البيداغوجية بمدارس الريادة.. مناقشة بيداغوجية ومقترحات

ونحن في السنة الثالثة من تنزيل مشروع “المدارس الرائدة”، لا نعرف إن كان الأمر ما زال يتعلق بالتجريب أم بالتنزيل الرسمي النهائي للمشروع البيداغوجي؟! وما نلاحظه هو اقتصار التقييم الوزاري للمشروع على نتائج التلاميذ، ومن ثمَّ تعمل الوزارة فقط على تصنيف المديريات والجهات، وإعفاء المديرين الإقليميين بناءً على أدنى النتائج والتصنيف!

إن المنطقي، حسب الأدبيات البيداغوجية، هو مساءلة كل العناصر والفاعلين في المنظومة، وخاصة الاختيارات البيداغوجية، وهندسة البرامج الدراسية، وطرق التقييم ومحتوياته، والمعينات اللوجستيكية وغيرها… لكن، على أقل تقدير، لا يتم تدارس مدى نجاعة النموذج البيداغوجي المعتمد أو الاختيارات البيداغوجية العامة.

في هذا المقال، سنحاول إعادة فتح النقاش حول الاختيارات البيداغوجية لمشروع المدارس الرائدة، لا سيما نموذج “التعليم الصريح”، بعرض أصوله النظرية والانتقادات الموجهة إليه، ومن ثمَّ تقديم بعض المقترحات لتجاوز سلبياته وتجويد الاختيارات البيداغوجية كفيل بضمان عرض تربوي بيداغوجي أكثر نجاعة.

حسب المذكرة الوزارية رقم 23×022 بتاريخ 18 ماي 2023 المؤطرة لمشروع “مؤسسات الريادة”، تشير الوزارة إلى أنه تفعيلاً لالتزامات خارطة الطريق، واستحضاراً لمختلف التقويمات الدولية والوطنية التي أكدت ضعف التحكم في التعلمات الأساس، وكخلاصة للمشاورات الوطنية حول تجويد المدرسة العمومية المغربية، وعملاً بنتائج البحث العلمي في مجال التربية والتعليم (خاصة فيما يتعلق بالطرائق والمقاربات البيداغوجية الحديثة التي أثبتت فعاليتها في اكتساب التعلمات الأساس وفي الدعم والمواكبة التربويين)؛ تأتي هندسة وتخطيط مشروع المؤسسات الرائدة ذي المكونات الأربعة:

مكون ذو بعد علاجي: ويتعلق بتفعيل مقاربة الدعم الهندية “طارل” (TaRL).

مكون ثانٍ وقائي: يتوخى مأسسة الممارسات الصفية الناجعة خلال مرحلة إرساء الموارد، بتبني مقاربة “التعليم الصريح”.

مكون ثالث ذو بعد تنظيمي تربوي: (تبني التخصص، التكوينات…).

مكون رابع ذو بعد تدبيري مادي: (تأهيل المؤسسات وتجهيزها وتوفير وسائل العمل خاصة الإلكترونية والرقمية، والتحفيز المالي والرمزي…).

والملاحظ عموماً أن تنزيل مشروع المدرسة الرائدة واكبه نقاش عام وعامي (غير متخصص وانطباعي في مجمله) هَمَّ أساساً الجانب التجهيزي والمالي وظروف العمل وغموض وارتجالية تنزيل المشروع وأهدافه لدى الأسر والفاعلين الميدانيين، في حين لم يتم نقاش أو تطرق متخصص وعالم للبعد البيداغوجي من المشروع، وخاصة اختيار تطبيق مقاربة الدعم العلاجي “طارل” والتعليم الصريح لإرساء الموارد (البرنامج والدروس) في المدرسة المغربية.

إذن، لماذا اختارت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بيداغوجياً، مقاربة “طارل” الهندية لدعم وعلاج التعثرات التعلمية، والتعليم الصريح في نسخته الفرنكوفونية الكندية دون غيرها من الاختيارات البيداغوجية الناجحة في تجارب تعليمية عالمية متعددة؟ وذلك بالتعاقد خاصة مع الباحثين الكنديين “ستيف بيسونيت” و”كليرمون غوتييه” من أجل أجرأتها في المنهاج التربوي المدرسي المغربي؟ ما هي أسباب هذا الاختيار البيداغوجي؟ ما هو التعليم الصريح؟ ما هي أصوله ومبادؤه النظرية البيداغوجية؟ ما هي الانتقادات والتقييمات النظرية البيداغوجية والإيديولوجية الموجهة إليه؟ وهل هناك بديل بيداغوجي أفضل وملائم للسياق التعليمي المغربي في الوقت الراهن؟

هذه الأسئلة هي موضوع مقالنا، والذي سنحاول من خلاله التطرق فقط إلى اختيار “التعليم الصريح”، حيث لن نتطرق إلى عرض وتقييم مقاربة الدعم العلاجي “طارل”، والتي ستكون موضوعاً لمقال مستقل مستقبلاً.

1- أسباب اختيار مقاربة التعليم الصريح:

للتعرف على أسباب اختيار التعليم الصريح مغربياً، وجب الوقوف على الطبيعة البيداغوجية المميزة للتعليم الصريح كمقاربة أو استراتيجية بيداغوجية للتدريس، وواقع ضعف نتائج التمكن من التعلمات الأساس لدى المتعلم المغربي في التقييمات الوطنية والدولية.

إن وزارة التربية الوطنية الحالية في أدبياتها البيداغوجية (التي تظل غائبة كوثائق وخطاب بكيفية صريحة وواضحة ونسقية تعكس رؤية وتصوراً واضحين) لم تذكر أسباب اعتمادها على اختيار التعليم الصريح بيداغوجياً؛ إذ لا توجد تقييمات أكاديمية ومتخصصة ومستقلة علمياً تفيد بفشل الاختيارات المنهاجية والبيداغوجية السابقة، خاصة “بيداغوجيا الكفايات”، كما لا توجد تقييمات للمنهاج التربوي المعتمد حالياً. وتكتفي الوزارة فقط بتقييم نتائج التلاميذ من حيث ضعف التمكن من التعلمات الأساس في التقييمات الوطنية والدولية، وتحميل المسؤولية بكيفية ضمنية أو صريحة لضعف أداء المدرسين (مع تهميش باقي الفاعلين التربويين والإداريين والمتغيرات الأخرى).

ويبقى المغيب الأكبر دائماً هو تقييم المنهاج التربوي من حيث بناء البرامج، والاختيارات البيداغوجية، ونظام التقييم، والإيقاعات الزمنية، ومدى توفر البنيات والتجهيزات والعتاد التربوي، والعنصر البشري المؤهل، والخدمات الاجتماعية والتربوية الموازية، ناهيك عن مدى فعالية التدبير الإداري والتأطيري الأساسي والمستمر… والمعروف في الأدبيات البيداغوجية أننا حين نكون أمام فشل مدرسي دال وكبير، يجب تقييم وإصلاح كل عناصر ومتغيرات المنظومة التعليمية ككل.

بالنسبة للمتعاقدَيْن بيداغوجياً لتنزيل التعليم الصريح مغربياً (بيسونيت وغوتييه)، فإنهما يشيران في “دليلهما التطبيقي للتعليم الصريح” في نسخته المغربية (وزارة التربية الوطنية)، وحسب بحث أُقيم بكينيا سنة 2018 يوافق الاختيارات البيداغوجية المغربية في إصلاحها للتعليم حسب زعمهما، إلى وجود ثلاثة تدخلات برنامجية إصلاحية بالنسبة للحالة التعليمية المغربية:

تحسين الأداء المهني، والدعم والتأطير البيداغوجي للمدرسين.

توفير كراسات في الآداب (اللغات) والحساب، وتعديل تلك الموجهة للتلاميذ وتوزيعها بنسب مدروسة من خلال دروس مكتوبة موجهة للمدرسين.

تزويد صناع القرار السياسي بدليل رسمي لمعرفة مدى توفر مواصفات معينة لبرامج التدخل، مثل: التنمية المهنية للمدرسين، التأطير البيداغوجي، عتاد ووسائل التعلم، دلائل المدرس، الدعم الجماعي، والتكنولوجيا ذات الأثر الإيجابي على التعلم.

وبناءً على نتائج هذه الدراسة الكينية، يقدم الباحثان الجامعيان (بيسونيت وغوتييه) النصائح التي يجب اتباعها من طرف المغرب في إصلاحه التعليمي الحالي، والمتمثلة في:

مراجعة المنهاج التربوي وإضافة الأهداف النهائية حسب كل مادة دراسية ومستوى تعليمي.

إنتاج مرجع للاستراتيجيات البيداغوجية الفعالة التي يجب استعمالها في الفصل الدراسي والمدرسة.

إنتاج دروس مكتوبة في الفرنسية والعربية والرياضيات بناءً على المرجع والمنهاج المعدل.

إنتاج دليل بيداغوجي لتكوين المدرسين يخص الدروس المكتوبة.

تكوين المفتشين حسب المرجع والدليل البيداغوجي وطريقة استعمال الدروس المكتوبة.

مواكبة المدرسين في المدارس الرائدة.

ومن خلال هذه التدخلات والوصفات البرنامجية والنتائج الإيجابية لتطبيق التعليم الصريح في التجربة الكينية، ينصح الباحثان المغرب بتطبيقها في السياق التعليمي المغربي.

وأرى أن الوزارة، بناءً على النتائج المقلقة لضعف التحكم في الكفايات الأساسية للقراءة (العربية والفرنسية) والحساب في المدرسة المغربية، قد اختارت هذه المقاربة البيداغوجية (مقاربة التعليم الفعال)، التي تهدف أساساً إلى تحسين نتائج المتعلمين المتعثرين. وهذا ما سيتبين لنا من خلال التعرف على مبادئ ومنهجية استراتيجية التعليم الصريح في اكتساب وتدبير التعلمات لدى التلاميذ.

2- تعريف التعليم الصريح (Enseignement explicite):

عموماً، ينتمي التعليم الصريح لأسرة الاتجاه التوجيهي/التعليمي (Instructionnisme) أو التعليم المباشر. وهو مقاربة واستراتيجية تعليمية تلعب فيها المدرسة أو المدرس دوراً أساسياً في توجيه وبناء تعلمات المتعلمين خلال مراحل اكتساب المعارف، وذلك بتزويدهم بتعليمات مباشرة وواضحة تضمن اكتسابهم للمفاهيم والكفايات المستهدفة، وتقديم الدعم والمواكبة إلى أن يصبح المتعلمون متمكنين منها وقادرين على توظيفها عملياً بطريقة ذاتية ومستقلة.

وتعتمد هذه المقاربة على التفاعل الدينامي بين المدرس والمتعلم المعزز لتطورهم التعلمي. ومن أهم المبادئ الأساسية للتعليم الصريح (وهي مبادئ منهجية هنا)، والتي تمت صياغتها وتطويرها انطلاقا من أعمال المؤسس الأول لها “باراك روسنشاين” (Barak Rosenshine)، ما يتجلى في اعتماد مبادئ ومراحل التعليم والتدريس الفعال:

أ- مبادئ وإجراءات التدريس الفعال:

وهي المبادئ التي حددها “بلوم” انطلاقاً من نتائج بحوث علم النفس المعرفي (خاصة ما يتعلق بذاكرة العمل والذاكرة بعيدة الأمد ومفهوم الحمولة المعرفية)، والمدرسة السلوكية، والبيداغوجيا الفارقية. ويمكن تلخيص هذه المبادئ في ثلاث مراحل: مرحلة التهيئة، مرحلة التفاعل، ومرحلة الدعم؛ ويتم استثمارها في التعليم الصريح كالتالي:

افتتاح الدروس بمراجعة ملخصة للتعلمات السابقة.

تقديم المفاهيم والتعلمات الجديدة من خلال خطوات صغيرة (مراحل مجزأة) مع ممارسات وتطبيقات للتلاميذ خلال كل مرحلة.

تحديد كمية المفاهيم المستهدفة في المرة الواحدة لعدم إرهاق ذاكرة التلاميذ.

تزويد التلاميذ بتعليمات وشروحات واضحة ومفصلة.

طرح أكبر عدد من الأسئلة والتحقق المستمر من الفهم.

إتاحة العديد من الفرص التطبيقية الفعالة لجميع التلاميذ.

توجيه التلاميذ في بداية مرحلة التطبيق.

التفكير بصوت مرتفع وتقديم نماذج توضيحية في كل مرحلة من التعلم (النمذجة).

التزويد بأمثلة لمشكلات سبق حلها.

مطالبة التلاميذ بشرح ما سبق لهم تعلمه.

التحقق من أجوبة كل التلاميذ والقيام بتعليقات وتصحيحات منتظمة (التغذية الراجعة).

إتاحة أكبر وقت ممكن للشروحات والتوضيحات وإعادة تدريس المفاهيم من جديد إن كان ذلك ضرورياً (حين لا تتحقق أهداف الحصة).

التهيئة الكافية للتلاميذ للممارسة والعمل المستقل ومصاحبتهم في بدايته.

تمت صياغة هذه الإجراءات انطلاقاً من ثلاثة مصادر:

المصدر الأول: نتائج البحث العلمي لعلم النفس المعرفي، الذي يهتم بالطريقة التي يكتسب بها الدماغ المعلومات ويستعملها، ويقترح وسائل لتجاوز حدود ذاكرة العمل عند تعلم محتويات جديدة ومعالجة مسألة الحمولة المعرفية.

المصدر الثاني: بحوث اعتمدت الملاحظة المباشرة للممارسات الصفية للمدرسين المتميزين بامتلاك تحكم مهني فعال يحققون من خلاله نتائج دراسية جيدة.

المصدر الثالث: بحوث علماء النفس المعرفي الذين طوروا واختبروا نماذج المساعدات المعززة لتعلم الكفايات المركبة، وبعض الإجراءات البيداغوجية مثل التفكير بصوت مرتفع، وتقديم السند والنماذج المرجعية للتلاميذ.

ب- بعض مميزات التعليم الصريح:

تحليل المضامين والنشاط التعلمي من البسيط إلى المركب: تحديد المراحل الضرورية للتعلم والعناصر التي ستُدرَّس بطريقة تدرجية وتطورية.

شرح العلاقة بين النشاط وهدف التعلم: النشاط البيداغوجي المقترح يركز بطريقة صريحة على تعلم واكتساب معرفة أو قدرة محددة.

التصور للدور الأساسي والفعال للمدرس: المدرس يوضح، ويجعل العمليات العقلية مقروءة ومفهومة، ويوجه، وينظم، ويسأل، ويشجع المتعلمين ويؤازرهم للتحقق من مستوى تعلماتهم؛ وعمله هنا مرتبط بنشاط التلاميذ، على عكس الدرس الإلقائي التقليدي.

الأخذ بعين الاعتبار التفاعل بين المدرس والتلاميذ: تهدف هذه التفاعلات إلى الحفاظ على الانتباه (الاستماع الفعال)، والتأكد من إنجاز المهام، ودرجة التعلم في علاقتها بالهدف، مع تقديم الدعم والتغذية الراجعة الفورية.

ج- بنينة الحصص في التدريس الصريح حسب 5 مراحل كبرى:

افتتاح الحصة: تحديد الأهداف والمفاهيم الأساسية التي يجب التحكم فيها من طرف المدرس، والتحقق من المكتسبات السابقة.

النمذجة (Modélisation): يوضح المدرس الأهداف والمراحل التي يجب اتباعها من خلال التفكير بصوت مرتفع، وتحفيز التلاميذ عبر الأسئلة، وعرض المفاهيم الأساسية، وتقديم الأمثلة والأمثلة المضادة.

الممارسة الموجهة (Pratique guidée): يوجه المدرس ويواكب المتعلمين في عملهم، ويتفاعل معهم ويجعلهم يتفاعلون فيما بينهم، ويطرح أسئلة دقيقة للتحقق من الفهم واكتساب المهارات المستهدفة (يُشترط تمكن حوالي 80% من التلاميذ).

الممارسة المستقلة (Pratique autonome): ينجز التلاميذ تمارين دون مساعدة مباشرة من المدرس، لكنه يشرف عليهم بالتحرك بين الصفوف، والاطلاع على عملهم، وتزويدهم بالتوضيحات القصيرة عند الحاجة، والتأكد من صحة الإنجاز.

اختتام الحصة: يقوم المدرس بمعية التلاميذ بتلخيص ما يجب الاحتفاظ به، مع إمكانية الإخبار بموضوع الحصة المقبلة وتكليفهم بعمل منزلي يعزز استقلاليتهم الذاتية في التعلم.

وتيرة إيقاعية ثابتة لتوالي الحصص: يتيح هذا النظام تحسين زمن التعلم، وربح الوقت للتقدم في البرنامج، وتفادي الملل لدى المتعلمين.

الحفظ والتذكر بعيد الأمد: يدمج التعليم الصريح عبر مجموع مراحله الرجوع الدائم للمضامين والدعم المتواصل، مما يعزز الفهم والآلية الذاتية والتخزين في الذاكرة طويلة المدى.

3- الانتقادات البيداغوجية الموجهة للتعليم الصريح والرد عليها:

رداً على بعض الانتقادات البيداغوجية الموجهة للتعليم الصريح (مثل عدم اعتماده على البيداغوجيات النشطة كالبنائية والسوسيوبنائية، وجعل المتعلم سلبياً، ومسألة التوجيه والتصريح المبالغ فيه)، يقول “غوتييه” و”بوشان” في مقال لهما سنة 2021: أحياناً يصبح مبدأ تنويع طرق التعليم قيمة في حد ذاته دون إخضاعه للامتحان التجريبي.

في هذا الإطار، قام الباحثان “ديبونت” و”بوشات” (Dupont et Bouchat, 2020) ببحث حول ثلاثة توجهات بيداغوجية: بيداغوجيا الاستكشاف، والمقاربة بالكفايات، والبيداغوجيا الفارقية؛ حيث:

تهدف مقاربة الكفايات إلى تقليص المعارف الواقعية لصالح الكفاية.

تفضل بيداغوجيا الاستكشاف قيام المتعلم بأنشطة يكتشف من خلالها موضوع التعلم بنفسه.

تتحدد البيداغوجيا الفارقية كخطوات تعليمية تتبنى تنويع الطرق التعليمية لتأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية داخل القسم وتنوع نماذج وحاجيات التعلم.

وهذه التوجهات الثلاثة هي مما تنصح به النظرية السوسيوبنائية.

وكنتيجة للبحث، تبين أنه لا شيء يدل على التوجه الأكثر قيمة؛ بل إن التطبيق الساذج والبسيط لهذه المقاربات من شأنه أن يقهقر المستوى العام للتلاميذ، وأن يرفع من فروق الأداء بين التلاميذ المنتمين لأوساط اجتماعية هشة. فتنمية الروح النقدية، مثلاً، تتطلب أولاً اكتساب المعارف المناسبة وتعلّم مهارات النقد. تنويع التعليم وطرائق التعلم ليس له قيمة في حد ذاته، بل الأهم هو معالجة مشكلة كيفية جعل الأنشطة منسجمة ومتناسقة حسب أهداف التعلم.

وهناك 4 خصائص تجعل المدرس يختار الأنشطة والمقاربات البيداغوجية الملائمة، وهي التي تتحكم في مستوى التدخل التوجيهي لديه:

مستوى الكفايات لدى المتعلمين.

درجة جِدّة أو تركيب وتكامل المهمة المقترحة.

الزمن المتاح.

طبيعة الأفكار والمفاهيم (هل هي أساسية أم ثانوية؟).

4- انتقادات إيدبو-بيداغوجية للتعليم الصريح:

هنا نخص بالذكر أساساً الانتقادات الموجهة للتعليم الصريح من طرف “بيير سيوتات” (Pierre Cieutat) في مقاله: “البنائية والتعليم الصريح: لا نتحدث عن الشيء نفسه” الوارد في مجلة “تنشيط وتربية” (Animation & Éducation)، عدد دجنبر 2020، حيث يقول:

“إن حركة التعليم الصريح الشمال-أمريكية، المسماة أيضاً بالتوجيهية، تلح على أولوية نقل المعارف المدرسية من طرف الأستاذ للمتعلمين، وتتجاهل مسألة الصراع المعرفي لدى المتعلم (البنائية)؛ كما تضع المتعلم في وضعية المشاهد السلبي (انظروا إليَّ ماذا أفعل، أنجزوا مثلي وستتعلمون…). إنها بيداغوجيا الفرض والتمركز حول المدرس، وقد تكون فعالة لبعض المتعلمين فقط. إن رسالة المدرسة ليست فقط نقل المعارف من أجل المعرفة أو الفكر، بل رسالتها تربوية أيضاً لجعل المتعلمين مواطنين مسؤولين ممتلكين للمعارف الضرورية.

المعرفة هي معطى خارجي مصادق عليه من طرف جماعة عالمة، لا يمكن التفاوض حولها أو اختراعها من طرف المتعلمين؛ وبناءً عليه، فإن التعلم الثابت لا يمكن فرضه على المتعلمين من طرف مدرس ‘ينمذج’ المتعلم. قد يكون من الخطر تبني تعليم يؤدي إلى تمثل المعرفة كمعطى يقيني وغير قابل للتغيير، لأن المدرسة في هذه الحالة ستتخلى عن رسالة تربية مواطنين قادرين على التفاعل والاجابة عن تعقيد وتركيب مجتمعاتنا في القرن الحادي والعشرين، والتي تفرض الوعي بأن ‘اللايقين’ هو الذي يحكم عالمنا…

إن التعليمية التوجيهية والبنائية ليستا لهما الوظيفة نفسها والأهداف التربوية ذاتها؛ فالأولى تركز على النمذجة وتكرار الإجراءات والسيرورات، والثانية تجعل المتعلم نشطاً وفعالاً: يجرب، يحاول، يبحث مع الجميع، ويفكر… وهكذا يظهر أن المقاربتين لا تُكوّنان المواطن نفسه.”

وفي أعمال السوسيولوجي “غي فانسون” (Guy Vincent) حول شكل المدرسة، يوضح أن هناك شكلين للمدرسة: أحدهما يعتمد على نقل المعارف بالإكراه، والثاني يسميه “التعليم العمومي/الشعبي” الناتج عن ثورة وفلسفة عصر الأنوار، والذي يتبنى نقل المعرفة من خلال العقل والفهم؛ وهدف هذا الأخير ليس مجرد نقل المعارف، بل كذلك تكوين كائنات إنسانية واعية بفكرها وفاهمة لتعلماتها.

مقترحات لتجويد النموذج البيداغوجي لمؤسسات الريادة

أظن بالنسبة للنموذج البيداغوجي المعتمد في تشخيص التعثرات والدعم المكثف اللذين يُبرمجان في أول السنة وتصل مدتهما إلى حوالي شهر، أن هذا النموذج جيد وحقق ويحقق نتائج مستحسنة، وقد أقر بذلك المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

لكن، في التقييم الخارجي لمشروع مدارس الريادة الذي قامت به الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى في ماي 2024، يرى التقرير بخصوص النموذج البيداغوجي أن:

“مشروع المدارس الرائدة يركز على تحسين مستوى التحكم في المعارف الأساسية، ولا يأخذ بعين الاعتبار الكفايات التي تعتبرها الرؤية الاستراتيجية -وتصور مدرسة المستقبل- أساسية مثل الابتكار، والإبداع، والتفكير النقدي؛ كما أن المشروع لا يقوم بهيكلة شاملة للنموذج البيداغوجي تقوم على إعداد إطار مرجعي للجودة وتحديد الكفايات المطلوبة في كل مستوى وآليات تقييمها”.

وأعتقد أن التجويد الجذري والناجع للاختيارات والنموذج البيداغوجي، ولكي يتجاوز أعطابه والانتقادات الموجهة إليه، عليه أن يتجاوز البراديغم الوظيفي التجريبي التجزيئي، والنزعة البرغماتية الاقتصادية (النيوليبرالية أساساً) المتمثلة في الربح السريع للنتائج وتدبير التعليم والمدرسة كمقاولة من طرف تقنوقراط، أو جعل الجميع عمالاً وتقنوقراطاً تربويين ليس إلا. فإصلاح أو هندسة نظام تعليمي يتطلب الانطلاق من فلسفة تربوية أولاً تشيب عن أسئلة من قبيل: أي إنسان ومجتمع نريد؟ وأي براديغمات ومقاربات واختيارات بيداغوجية صالحة لتحقيق تلك الفلسفة؟ وكل هذا ينبع أولاً من هندسة منهاج تربوي شامل، وهو الأمر الذي لا يتوفر عليه ولا ينطلق منه مشروع المؤسسات الرائدة.

كما أنه يجب تفعيل المقترحات والتصورات التي عمل المجلس الأعلى على التذكير بها (وهي نقد غير مباشر لمدارس الريادة) في تقريره الأخير: “المدرسة الجديدة، تعاقد مجتمعي جديد من أجل التربية والتكوين” (تقرير رقم 07/2024)، ومنها ما يهم الاختيارات البيداغوجية إذ دعا إلى: إعداد إطار مرجعي للمنهاج، ودلائل مرجعية للبرامج والتكوينات من طرف اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة -وهو ما لا يلتزم به القانون في مشروع المدارس الرائدة- كما يدعو إلى:

“الانتقال من منطق التلقين والشحن والإلقاء السلبي الأحادى (وهي من الانتقادات الموجهة للتعليم الصريح) إلى منطق التعلم والتعليم الذاتي، والتفاعل الخلاق بين المتعلم والمدرس، في إطار عملية تربوية قوامها التشبع بالمواطنة الفعالة، واكتساب اللغات والمعارف والكفايات والقيم، فردياً وجماعياً وكونياً، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة ورفع تحدي الفجوة الرقمية.”

وكمقترح شخصي لتحسين وتجويد الاختيارات البيداغوجية بمدارس الريادة، وانطلاقاً من مقاربة واقتراحات “غوتييه” و”بوشان” السالفة الذكر اللذين يقولان إن تنوّع التعليم وطرائق التعلم ليس له قيمة في حد ذاته، بل الأهم هو كيفية جعل الأنشطة منسجمة ومتناسقة حسب أهداف التعلم بناءً على الخصائص الأربع (مستوى الكفايات، درجة تركيب المهمة، الزمن المتاح، وطبيعة المفاهيم)؛ نقترح ما يلي:

تنويع المقاربات البيداغوجية: عدم الارتهان الكلي للتعليم الصريح، بل المزاوجة بينه وبين مقاربات التعليم الفعال، والبيداغوجيا الفارقية، وبيداغوجيا التمكن.

التوزيع حسب المستويات في السنة الدراسية الواحدة: الاعتماد على التعليم الصريح في المستويات الدنيا (الأول، الثاني، والثالث ابتدائي) لترسيخ الآليات والمهارات الأساسية، والانتقال نحو مقاربات التعليم الفعال والنشط في المستويات العليا (الرابع، الخامس، والسادس ابتدائي).

التوزيع حسب الأسلاك التعليمية: ملاءمة المقاربة المعتمدة مع الخصائص العمرية والمعرفية لكل سلك (ابتدائي، إعدادي).

كخلاصة، يجب تجويد ومراجعة الاختيارات البيداغوجية بمدارس الريادة باعتماد منهاج تربوي متكامل أولاً؛ فلا إصلاح ولا هندسة بيداغوجية دون تصورات وغايات شمولية فردية ومجتمعية، ومقاربات واختيارات بيداغوجية فعالة وناجعة مندمجة في خدمة مشروع مجتمعي وطني مستقبلي، وليس مجرد “بريكولاج” إصلاحي من أجل أهداف آنية وسريعة وسياسية ضيقة…

The post اختيارات بيداغوجية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress