احتواء سلاح "حزب الله"... بين التجميد والتسليم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عاد في الآونة الأخيرة الحديث عن "احتواء" سلاح "حزب الله"، في مرحلة أولى تسبق الوصول إلى هدف حصر السلاح بيد الدولة. هو مصطلح يبدو أقل حدة من عبارة "نزع السلاح" أو "تسليمه"، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة جوهرية عن مضمونه العملي وحدوده السياسية، وما إذا كان يشكل مخرجاً واقعياً للأزمة اللبنانية المستمرة منذ عقود.

 

في المفهوم السياسي، لا يعني الاحتواء بالضرورة مصادرة السلاح أو تفكيك البنية العسكرية للحزب فورا، بل إدخال هذا السلاح ضمن منظومة الدولة وقرارها. بمعنى آخر، يصبح السلاح موجوداً لكنه مجمّد الاستخدام وخاضعاً لسلطة الدولة، فيما تنتقل مهمة الدفاع والأمن تدريجاً إلى الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية.

 

وتراوح الصيغ المطروحة بين وضع المخازن والمنشآت العسكرية تحت إشراف الجيش، مروراً بتجميد أي نشاط عسكري مستقل، وصولاً إلى نموذج أكثر تقدماً تصبح فيه الأسلحة الثقيلة في عهدة المؤسسة العسكرية مع بقاء الملف برمته جزءاً من استراتيجية دفاعية وطنية يجري التوافق عليها داخلياً.

 

هذه المقاربة ليست جديدة بالكامل. فخلال السنوات الماضية، طُرحت أكثر من فكرة عربية ودولية تقوم على الانتقال التدريجي من واقع السلاح الحالي إلى واقع تكون فيه الدولة المرجعية الوحيدة للقرار العسكري، من دون الذهاب إلى صدام داخلي أو فرض وقائع بالقوة. وقد أظهرت تجارب ما بعد الحروب والنزاعات في عدد من الدول أن الانتقال من مرحلة التنظيمات المسلحة إلى مرحلة الدولة غالباً ما يتم عبر خطوات مرحلية ومتدرجة، لا عبر قرارات حاسمة تنفذ دفعة واحدة.

 

هل يناسب الخيار الحزب؟

السؤال الأهم: هل يناسب هذا الخيار "حزب الله"؟

من الصعب تصور قبول الحزب بتسليم كامل وفوري لسلاحه في الظروف الحالية، لما يحمله ذلك من أبعاد سياسية ومعنوية تتجاوز الجانب العسكري. أما فكرة الاحتواء أو التجميد، فقد تبدو أقل حساسية إذا جاءت ضمن تسوية شاملة تتضمن ضمانات داخلية وخارجية وتمنح الحزب فرصة الانتقال من موقع القوة العسكرية المستقلة إلى موقع الشريك السياسي داخل الدولة.

 

وتكتسب هذه النقاشات زخماً إضافياً بعد الحرب الأخيرة وما أفرزته من متغيرات ميدانية وسياسية. فالحزب يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية غير مسبوقة، فيما يزداد إصرار المجتمع الدولي على ربط أي دعم اقتصادي أو سياسي للبنان بتعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية. وفي المقابل، تدرك القوى الغربية والعربية أن أي مقاربة واقعية لا بد أن تأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع اللبناني وحساسية البيئة الحاضنة للحزب.

 

من هذه الزاوية، يمكن فهم الحديث المتزايد عن وضع السلاح في عهدة الجيش. فبالنسبة إلى مؤيدي هذا الطرح، يشكل الأمر خطوة انتقالية تحفظ الاستقرار وتعيد الاعتبار إلى مؤسسات الدولة. أما بالنسبة إلى الحزب، فقد يكون أكثر قابلية للنقاش من مفهوم "التسليم"، لأنه يتيح له القول إن السلاح لم يُنتزع منه بل أُدرج ضمن منظومة وطنية أوسع.

 

الجيش والتوافق والحزب

الواقع أن نجاح أي صيغة من هذا النوع يبقى مرتبطاً بعوامل عدة، أبرزها قدرة الجيش اللبناني على تولي كامل المسؤوليات الأمنية والدفاعية، ووجود توافق سياسي داخلي واسع، فضلاً عن معالجة هواجس الحزب المتعلقة بالصراع مع إسرائيل ومستقبل التوازنات الإقليمية.

 

لذلك، فإن النقاش اليوم لا يبدو محصوراً بين خيارين متناقضين: بقاء السلاح أو نزعه. بل يدور في جوهره حول مرحلة وسطى عنوانها "الاحتواء"، أي نقل السلاح من كونه أداة مستقلة خارج الدولة إلى سلاح واقع تحت سقفها وقرارها، تمهيداً للوصول، عاجلاً أو آجلاً، إلى المعادلة التي يطالب بها المجتمعان اللبناني والدولي: دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار أمني وعسكري واحد. والسؤال الذي سيحسم مصير هذه المقاربة ليس ما إذا كانت قابلة للتطبيق نظرياً، بل ما إذا كانت الظروف السياسية والإقليمية قد نضجت بما يكفي لتحويلها من فكرة متداولة في الكواليس إلى مسار عملي يبدأ تنفيذه على الأرض.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية