اتفاق الطائف من جديد: تسوية مؤجّلة أم ثمن مسبق لسلاح لن يُسلََّم؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، يتقدّم اتفاق الطائف مجدداً إلى واجهة النقاش، لا بصفته مجرد مرجعية دستورية، بل كخريطة طريق يُعاد طرحها تحت ضغط الحرب واحتمالات ما بعدها. جولة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان على القيادات اللبنانية لم تكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل حملت في طياتها محاولة واضحة لإعادة تثبيت "الطائف" كإطار وحيد للحل، في لحظةٍ يتداخل فيها المسار العسكري مع التفاوضي، ويتقدّم فيها سؤال النظام السياسي على إيقاع المدافع.

 

المقاربة السعودية، المدعومة مصرياً، تنطلق من مسلّمة أساسية: لا إمكانية لفتح باب تعديل النظام الآن، بل الأولوية لاستكمال تطبيق ما لم يُطبّق. من هنا، يبرز الدفع نحو تنفيذ البنود المؤجلة، من إلغاء الطائفية السياسية إلى إقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، وصولاً إلى إنشاء مجلس شيوخ. في ظاهرها، تبدو هذه الخطوات إصلاحيةً بحتة، لكنها في جوهرها محاولة لإعادة إنتاج توازنٍ داخلي جديد يُخرج الصراع من الشارع والسلاح إلى المؤسسات.

 

قرية الخيام جنوب لبنان. (أ ف ب)

 

غير أن هذه المقاربة تصطدم سريعاً بوقائع لبنانية أكثر تعقيداً. فالرهان على أن تطوير النظام السياسي يمكن أن يشكّل مدخلاً لمعالجة مسألة السلاح، يبدو، حتى الآن، أقرب إلى فرضيةٍ نظرية منه إلى مسار قابل للتحقق.

 

#Opinion#

 

بالنسبة إلى "حزب الله"، لا يختزل السلاح بمسألة تمثيل داخلي أو توازنات نيابية، بل يرتبط بوظيفةٍ إقليمية وبمعادلة ردع مع إسرائيل وبعلاقة عضوية مع إيران وحرسها الثوري. وعليه، فإن أي ضمانة داخلية، مهما بلغت، تبقى عاجزةً عن تفكيك هذا الارتباط من دون تحوّلٍ أوسع في المشهد الإقليمي.

 

مدخل الضاحية الجنوبية لبيروت (نبيل اسماعيل).

 

في المقابل، تتصاعد الهواجس المسيحية، لا من باب رفض الإصلاح، بل من زاوية نتائجه. فالمناصفة التي كرّسها اتفاق الطائف تقوم على توازنٍ بين المسلمين والمسيحيين، لكن في نظام انتخابي خارج القيد الطائفي، لا تكمن المشكلة في عدد المقاعد بقدر ما تكمن في كيفية اختيار شاغليها.

#Analysis#

من يحدّد اللوائح؟ ومن يرسم التحالفات العابرة للمناطق؟ هنا، يتحوّل الخوف من خسارة "التأثير" إلى هاجس يتقدّم على أي نقاش تقني في القانون الانتخابي.

 

 الضاحية الجنوبية (نبيل اسماعيل).

 

وسط هذا التعقيد، يبرز التناقض الأوضح: هل يُطبّق "الطائف" أولاً تمهيداً لمعالجة السلاح، أم أن تسليم السلاح هو المدخل الإلزامي لأي تطبيقٍ فعلي للاتفاق؟ المدرسة العربية تميل إلى الخيار الأول، معتبرة أن الإصلاحات السياسية تخلق بيئة ثقةٍ داخلية. في المقابل، ترى قوى لبنانية أن هذا الطرح يشكّل التفافاً على جوهر الاتفاق الذي نصّ صراحةً على حلّ الميليشيات وتسليم سلاحها للدولة كمدخل تأسيسي، لا كنتيجة لاحقة.

 

هكذا، يتحوّل النقاش من مضمون الإصلاح إلى ترتيب الأولويات، أي إلى سؤال: من يقدّم التنازل أولاً؟ الدولة عبر تعديل قواعد النظام، أم القوى المسلحة عبر التخلي عن عناصر قوتها؟

 

جنود الجيش الإسرائيلي يقومون بدوريات في سياراتهم الهامفي على طول الحدود مع جنوب لبنان. (أ ف ب)

 

في الخلفية، يتقاطع هذا السجال مع مسارات ثلاثة متداخلة: مفاوضات لبنان مع إسرائيل، مستقبل سلاح "حزب الله"، وإعادة تشكيل النظام السياسي. الطرح الجاري يفترض إمكانية جمع هذه المسارات في سلة واحدة، لكن التجربة اللبنانية تشير إلى أن ربطها غالباً ما يؤدي إلى تعطيلها جميعاً.

 

لذلك، يبدو أن إعادة إحياء اتفاق الطائف اليوم لا تعني بالضرورة اقتراب تطبيقه، بقدر ما تعكس محاولةً إقليمية لملء الفراغ السياسي اللبناني ومنع انزلاقه إلى خيارات أكثر خطورة. أما التنفيذ الفعلي، فيبقى رهناً بشرطين لم ينضجا بعد: قرار إقليمي بفصل لبنان عن صراعات المحاور، واستعداد داخلي لتقديم تنازلاتٍ متبادلة في آن واحد.

 

إلى ذلك الحين، سيبقى "الطائف" عنواناً جاهزاً لكل تسوية… ومشروعاً مؤجلاً لكل استحقاق.

 
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية