"ابنِ أو ادفع": رسوم الأراضي البيضاء تحل أزمة عقارية عانت منها الرياض
في كثير من العواصم العربية، يعاني المواطن فجوة صارخة: مدن تتمدد، ومساحات شاسعة تبقى سنوات، بل عقوداً، بلا بناء، في وقت تتصاعد فيه أسعار الشقق والإيجارات. والسبب، في الغالب، واحد: احتكار الأراضي. يشتري ملاك قطعاً داخل المدن أو على أطرافها، ثم يتركونها معطّلة في انتظار ارتفاع الأسعار، من دون أن يكلّفهم ذلك شيئاً يُذكر.
قررت السعودية كسر هذه المعادلة، وتقول أرقام الرياض الصادرة اليوم عن وزارة البلديات والإسكان إن التجربة بدأت تؤتي ثمارها.
ووفق بيانات الوزارة، بلغ إجمالي مساحات الأراضي البيضاء المشمولة بالتطوير والتداول في منطقة الرياض نحو 71 مليون متر مربع، وهو رقم يعكس حجم الأراضي التي بقيت مجمّدة داخل النطاق العمراني للعاصمة لسنوات.

السلاح المستخدم: الرسوم
الآلية التي أنتجت هذه النتائج ليست تأميماً ولا مصادرة، بل رسوم سنوية تُفرض على الأراضي الفارغة داخل المدن، وفق نظام شرائح متدرجة تتراوح بين 2.5% و10% من قيمة الأرض سنوياً، بحسب أولوية الموقع للتطوير العمراني.
بمعنى آخر: إما أن تبني أو تبيع أو تدفع. وأمام هذا الخيار، اتجه كثير من الملاك إلى التطوير.
وقد توزعت المساحات الـ71 مليوناً، وفق الوزارة، على ثلاث فئات: 29 مليون متر مربع أُنجز تطويرها، و20 مليون متر مربع دخلت حيز التداول والبيع، فيما لا يزال 21 مليون متر مربع قيد التطوير الفعلي.
ومنذ مطلع 2026، أصدرت الوزارة أكثر من 60 ألف فاتورة رسوم لملاك أراضٍ في الرياض، في إشارة إلى انتقال النظام من مرحلة التشريع إلى مرحلة التحصيل الفعلي.

ليست مجرد إحصاءات
ما يجعل هذا الملف ذا صلة بالقارئ في القاهرة وبيروت وعمّان وتونس هو أن المشكلة واحدة: الأراضي الفارغة داخل المدن تمثل أحد مصادر الضغط الرئيسية على أسعار السكن في العالم العربي. فاحتجاز الأرض دون تطوير يخلق شحاً اصطناعياً، يرفع الأسعار ويُعيق وصول الشريحة المتوسطة إلى السكن اللائق.
يُشار إلى أن المملكة أطلقت نظام رسوم الأراضي البيضاء عام 2016، ثم أدخلت عليه تعديلاً جوهرياً في أيار/مايو 2025، برفع نسبة الرسوم وإقرار رسوم جديدة على العقارات الشاغرة. وبدأ تطبيق اللائحة التنفيذية رسمياً في آب/أغسطس 2025، قبل أن تنطلق الفواتير في الرياض مطلع العام الحالي.
ولا تذهب إيرادات النظام إلى خزينة مجهولة الوجهة؛ فوفق البيان الوزاري، أسهمت هذه الإيرادات في تمويل 27 مشروعاً تنموياً وعمرانياً في الرياض، دون أن يُفصح البيان عن تفاصيل هذه المشاريع أو قيمتها المالية.
دعم الملاك الجادين
ولتجنب أن يتحول النظام إلى عبء على من يريد البناء فعلاً لكنه يواجه عقبات إجرائية، أتاحت الوزارة مهلاً نظامية للملاك الجادين في التطوير. كما وفّرت، عبر مركز خدمات المطورين العقاريين "إتمام"، منظومة رقمية تضم 38 خدمة تشمل التراخيص والموافقات والتنسيق مع الجهات الحكومية.

هل يمكن تكرار التجربة؟
السؤال الذي يطرحه المراقبون في المنطقة: هل يمكن توسيع النموذج إلى مدن سعودية أخرى، أو تصديره إلى دول عربية تعاني المشكلة ذاتها؟
خالد المبيض، الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية، يرى أن التوسع داخل المملكة وارد. وقال في تصريح لـ"النهار": "فيما يتعلق بامتداد هذا النجاح إلى مدن مثل جدة والدمام، فأرى أن ذلك ممكن وبدرجة كبيرة، خاصة أن التحديات التي عالجها البرنامج في الرياض موجودة بدرجات متفاوتة في أسواق عقارية أخرى. ومع استمرار التطبيق الفعّال والرقابة والربط بين الرسوم ومستهدفات التنمية العمرانية، فمن المتوقع أن نشهد آثاراً إيجابية مماثلة تتمثل في زيادة المعروض وتحسين كفاءة استخدام الأراضي ورفع معدلات التطوير."
أما على صعيد تصدير التجربة إلى خارج المملكة، فيرى المبيض أن النموذج السعودي "يُعد من أكثر التجارب نضجاً في المنطقة، ليس لأنه فرض رسوماً فقط، بل لأنه جاء ضمن منظومة متكاملة تشمل التشريعات العقارية، والتسجيل العيني، والحوكمة، والشفافية، وبرامج الإسكان، وتحفيز التطوير العقاري." وأضاف أن "نجاح تطبيقه في أي دولة أخرى سيعتمد على جاهزية البيئة التشريعية وقدرة الجهات التنظيمية على التنفيذ والمتابعة."