ابن كيران والتأسيس للخراب الاجتماعي بالمغرب

إذا أردنا أن نفهم ما يحدث في المغرب من مشاهد بؤس اجتماعي، ليس أولها ولا آخرها محاولة الدخول لمدينة سبتة المحتلة، يجب أن نعود للخلف قليلا، وبالضبط إلى 2011 عندما اختار المغاربة التصويت لحزب العدالة والنمية الإسلامي ليجعلوا من زعيمه السيد عبد الإله بن كيران أول رئيس حكومة في تاريخ المغرب، ولتبدأ بذلك عملية التأسيس لكل الويلات التي نعيشها اليوم. لقد كان وصول العدالة والتنمية الخطأ الأكبر الذي كلف المغاربة الكثير ومازال سيفعل لأننا لم نصل بعد للمرحلة الأسوأ، لم نبدأ فعليا في حصد عواقب ما اقترفه السيد بن كيران ومن كان معه فما نعيشه اليوم هو مجرد مقدمة لمرحلة اقتصادية واجتماعية ستكون صعبة جدا على المغرب.

لماذا نحمل بن كيران مسؤولية التأسيس لهذا الخراب السوسيواقتصادي الذي نعيشه؟

طبعا نحن لا نفعل ذلك تحاملا عليه ولا على حزبه وإنما نفعل ذلك من منطلقات كثيرة أهمها:

• تحرير أسعار المحروقات: يدرك السيد بن كيران أن لأسعار المحروقات تأثير مباشر وكبير على تكاليف النقل والإنتاج والمواد الغذائية والخدمات، لكنه بالرغم من ذلك قرر سنة 2015 أن يحرر أسعارها في خطوة لم يتجرأ كل من سبقوه على القيام بها لأنهم كانوا يعلمون جيدا تأثير ذلك على المواطن المغربي الذي سيجد نفسه يعاني من تراجع قدرته الشرائية بشكل رهيب. إلا أن بن كيران تجاهل كل ذلك مستغلا التعاطف الجماهيري الذي كان يحظى به هو وحزبه.

• إصلاح نظام التقاعد: لم يكن مجرد قرار يهم الموظفين، بل كانت له انعكاسات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا مما توقعه السيد بن كيران. فرفع سن التقاعد إلى 63 سنة أدى إلى إبطاء تجديد الإدارة وتقليص عدد المناصب التي كان يمكن أن تشغلها أفواج جديدة من الشباب. كما أن رفع نسبة الاقتطاعات من أجور الموظفين قلص قدرتهم الشرائية، الأمر الذي انعكس على الاستهلاك الداخلي، باعتبار أن الموظف يمثل شريحة مهمة من الطبقة المتوسطة. ورغم أن الحكومة بررت القرار بضرورة إنقاذ صناديق التقاعد من الإفلاس، فإننا نرى أن معالجة الأزمة على حساب الموظفين، دون أن يقدم حلولا موازية لتحفيز التشغيل أو توسيع قاعدة المساهمين، هو ما جعل آثار الإصلاح تمتد إلى سوق الشغل وإلى الأوضاع الاجتماعية التي نعيشها اليوم.

• تقليص الانفاق العمومي: ولأن السيد عبد الإله بن كيران دائما ما يحب ركوب أمواج الجرأة في مواجهته للمواطن المغربي، فقد قرر ومعه حكومته اعتماد سياسة تقشفية قال إنها تهدف إلى نقص عجز الميزانية وتقليص المديونية، فلجأ إلى التحكم في نفقات الدولة، والحد من التوظيف في عدد من القطاعات، وتقليص وتيرة الإنفاق العمومي. قد تكون هذه السياسة ساهمت، نسبيا، في تحسين بعض المؤشرات المالية، إلا أنها جاءت على حساب النشاط الاقتصادي والقدرة الشرائية للمواطنين. فعندما تخفض الدولة استثماراتها ونفقاتها، يتراجع الطلب على السلع والخدمات، وتقل فرص الشغل التي يخلقها الاستثمار العمومي، وهو ما ينعكس مباشرة على دخل الأسر والاستهلاك. كما أن ضعف الإنفاق العمومي يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مرتفعة، مما يؤدي إلى ارتفاع البطالة واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، وهي آثار يرى كثير من الاقتصاديين أنها لا تظهر فور اتخاذ القرار، وإنما تتراكم تدريجيا على مدى سنوات، لتصبح أكثر وضوحا في فترات الأزمات الاقتصادية. وهو بالضبط ما نعيشه اليوم.

في الأخير نقول أنه لا يمكن فهم مشاهد اليأس والبؤس القادمة من سبتة بمعزل عن تراكمات امتدت لسنوات. فما يحدث لا يمكن أن يكون بأي حال وليد اللحظة الراهنة ولا هو نتيجة أزمة عابرة أو ظرف إقليمي مؤقت، بل هو حصيلة اختيارات اقتصادية وسياسية متعاقبة، كان لحكومة عبد الإله بن كيران، في نظرنا، دور أساسي في رسم معالمها والتأسيس لها. لذلك، ولأننا نؤمن أن التاريخ لا يغفر لمن يبدد أحلام الشعوب ولمن يثقل كاهلهم وينغص حياتهم، نعتقد أن السيد عبد الإله بن كيران سيظل في ذهن المغاربة أسوء من تولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.

اقرأ المقال كاملاً على لكم