إيشو: التجربة اليابانية تقدم دروسا للمغرب في إصلاح سعر صرف الدرهم
لم يكن التدخل المشترك الذي نفذته الولايات المتحدة واليابان في سوق الصرف خلال الأيام الأخيرة من يوليوز الماضي مجرد خطوة لوقف تراجع الين، وإنما عكس تشابك مصالح اقتصادية ومالية تمتد من التجارة العالمية إلى سوق سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يفسر مشاركة واشنطن في أول تدخل منسق لدعم العملة اليابانية منذ أكثر من عقد، رغم أن القضية بدت، للوهلة الأولى، شأنا يابانيا داخليا.
ويقدم الأستاذ الباحث محمد عادل إيشو، الإطار السابق بمديرية الخزينة والمالية الخارجية بوزارة الاقتصاد والمالية، وأستاذ المدرسة العليا للتكنولوجيا بخنيفرة، جامعة السلطان مولاي سليمان، قراءة اقتصادية لخلفيات هذا القرار، موضحا أن التدخل لم يكن موجها إلى حماية الين وحده، وإنما إلى حماية شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والمالية الأمريكية، تبدأ بالتجارة الخارجية وتمتد إلى استقرار سوق سندات الخزانة، وما يرتبط بها من كلفة الاقتراض وأداء الاقتصاد الأمريكي.
وجاء التدخل بعدما لامس سعر صرف الدولار نحو 163 ينا، وهو أدنى مستوى للعملة اليابانية منذ ما يقارب أربعة عقود، الأمر الذي دفع وزارة المالية اليابانية، بالتنسيق مع وزارة الخزانة الأمريكية، إلى شراء كميات كبيرة من الين لوقف موجة التراجع، في أول تدخل مشترك بين البلدين منذ سنة 2011، وأول عملية منسقة لدعم العملة اليابانية منذ سنة 1998، فيما أكدت وزيرة المالية اليابانية أن الهدف من العملية يتمثل في مواجهة ما وصفته بـ”التحركات غير المنظمة” في سوق الصرف، مع التشديد على استعداد السلطات لتكرار التدخل إذا استمرت المضاربات والضغوط على العملة، وقد استجابت الأسواق بسرعة، إذ ارتفع الين من نحو 163 ينا للدولار إلى قرابة 155 ينا خلال فترة وجيزة، في نجاح أولي للتدخل، رغم أن الأسباب الهيكلية التي أضعفت العملة ما تزال قائمة.
فجوة الفائدة وراء انهيار الين
يرى محمد عادل إيشو أن السبب الرئيسي وراء ضعف الين يتمثل في اتساع الفجوة بين السياسة النقدية اليابانية ونظيرتها الأمريكية، ففي الوقت الذي يواصل فيه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة نسبيا، ما يزال بنك اليابان يعتمد سياسة نقدية أكثر مرونة وأسعار فائدة منخفضة، وهو ما وفر بيئة مناسبة لعمليات “الكاري تريد”، حيث يقترض المستثمرون بالين منخفض التكلفة، ثم يحولون الأموال إلى الدولار للاستثمار في أدوات مالية ذات عوائد أعلى، الأمر الذي عزز الطلب على العملة الأمريكية وزاد الضغوط على الين مع استمرار الأسواق في المراهنة على بقاء هذا الفارق في أسعار الفائدة.
ويضيف الباحث أن هذا العامل تزامن مع ارتفاع فاتورة واردات اليابان من الطاقة والمواد الأولية، إذ تعتمد البلاد بصورة شبه كاملة على استيراد النفط والغاز، وهما سلعتان تسعران بالدولار، ما أدى إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية، كما ساهمت المضاربات المالية في تسريع وتيرة التراجع، بعدما اعتبرت صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الكبرى أن تجاوز مستويات 155 ثم 160 ينا للدولار يشير إلى احتمال استمرار الهبوط، لتتسع عمليات البيع وتزداد الضغوط على العملة اليابانية.
ورغم هذا التراجع، يؤكد إيشو أن اليابان لا تواجه أزمة مالية بالمعنى التقليدي، فهي ما تزال تحقق فائضا مهما في حسابها الجاري، كما تمتلك واحدة من أكبر المحافظ الاستثمارية الخارجية في العالم، غير أن هذه المعطيات لم تكن كافية لوقف تراجع الين في ظل قوة الدولار وارتفاع العائد على الأصول الأمريكية.
مصالح أمريكية وراء التدخل
يرى إيشو أن مشاركة واشنطن لم تكن خطوة تضامنية مع اليابان بقدر ما كانت استجابة لاعتبارات اقتصادية واستراتيجية تمس المصالح الأمريكية بصورة مباشرة، إذ إن استمرار ضعف الين يمنح الشركات اليابانية ميزة تنافسية كبيرة، لأن صادراتها تصبح أقل تكلفة في الأسواق العالمية، ولا سيما في السوق الأمريكية، وهو ما يزيد الضغوط على الشركات الأمريكية العاملة في قطاعات السيارات والإلكترونيات والمعدات الصناعية.
ويشير إلى أن اليابان تحقق أصلا فائضا تجاريا مهما مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإن استمرار انخفاض الين كان سيؤدي إلى اتساع هذا الفائض، كما كان سيقلص فعالية الرسوم الجمركية والسياسات التجارية التي اعتمدتها واشنطن خلال السنوات الأخيرة لحماية الصناعة الأمريكية، لأن انخفاض الين يمنح الصادرات اليابانية ميزة سعرية أكبر داخل السوق الأمريكية.
ولا تقف دوافع التدخل عند التجارة وحدها، إذ يبرز عامل أكثر حساسية يتعلق بسوق سندات الخزانة الأمريكية، فاليابان تعد أحد أكبر المستثمرين الأجانب في الدين الأمريكي، بحيازات تتجاوز تريليون دولار، وعندما تحتاج السلطات اليابانية إلى دعم عملتها فإنها تحتاج إلى سيولة بالدولار، وهو ما قد يدفعها إلى بيع جزء من تلك السندات للحصول على الأموال اللازمة للتدخل في سوق الصرف.
ولو جرى بيع تلك السندات على نطاق واسع، فإن أسعارها كانت ستتراجع، بينما سترتفع عوائدها، ما يعني زيادة تكلفة الاقتراض داخل الولايات المتحدة بالنسبة إلى الحكومة والشركات والأسر، لأن عوائد سندات الخزانة تمثل المرجع الأساسي الذي تتحدد على أساسه أسعار كثير من أدوات التمويل والائتمان في الاقتصاد الأمريكي.
ويحذر الباحث من أن ارتفاع عوائد السندات ينعكس مباشرة على أسعار الفائدة الخاصة بالقروض العقارية وقروض السيارات والائتمان الاستهلاكي، كما يزيد تكلفة تمويل الاستثمارات ويؤثر في النشاط الاقتصادي الأمريكي، لذلك فإن استقرار الين يخدم بصورة غير مباشرة استقرار الاقتصاد الأمريكي، ويحد من انتقال الضغوط المالية إلى الأسواق الأمريكية.
ولهذا السبب، يوضح إيشو، فضلت السلطات اليابانية، بدعم من الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، اللجوء إلى آليات تمويل توفر سيولة بالدولار مقابل رهن سندات الخزانة الأمريكية بصورة مؤقتة، بدل بيعها في الأسواق، وهو ما ساعد على توفير الدولارات اللازمة للتدخل دون إحداث اضطرابات واسعة في سوق الدين الأمريكي، مع الحفاظ على استقرار العوائد وتكاليف التمويل.
ما الذي تعنيه التجربة للمغرب؟
يرى محمد عادل إيشو أن التجربة اليابانية تحمل دلالات مهمة للدول التي تتجه نحو توسيع هامش مرونة أسعار الصرف، وفي مقدمتها المغرب، الذي يواصل منذ سنوات إصلاح نظام سعر صرف الدرهم بصورة تدريجية، إذ تظهر هذه التجربة أن استقرار العملة لا يعتمد فقط على تدخل البنك المركزي، وإنما يرتبط بمتانة الاقتصاد، ومستوى الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وانسجام السياسة النقدية مع السياسة المالية، إضافة إلى قدرة الدولة على إدارة المخاطر الناتجة عن تقلبات الأسواق الدولية.
ويؤكد الباحث أن تدخل السلطات النقدية في سوق الصرف قد يشكل أداة فعالة لاحتواء المضاربات وتهدئة الأسواق خلال الظروف الاستثنائية، غير أن هذا التدخل يبقى محدود الأثر إذا لم تعالج الأسباب الهيكلية الكامنة وراء ضعف العملة، لأن قيمة أي عملة تعكس في نهاية المطاف قوة الاقتصاد الذي تستند إليه، ومدى ثقة المستثمرين في سياساته الاقتصادية.
ويخلص إيشو إلى أن التدخل الأمريكي إلى جانب اليابان لم يكن دفاعا عن الين بقدر ما كان دفاعا عن مصالح اقتصادية ومالية أمريكية، تمتد من الحفاظ على تنافسية الشركات إلى استقرار سوق سندات الخزانة، بما يؤكد أن قرارات التدخل في أسواق الصرف لم تعد تحكمها اعتبارات نقدية فقط، وإنما أصبحت جزءا من إدارة التوازنات التجارية والمالية بين الاقتصادات الكبرى، وهي معطيات تجعل التجربة اليابانية جديرة بالاهتمام بالنسبة إلى المغرب، في ظل مواصلة إصلاح نظام سعر صرف الدرهم، بما يضمن التوازن بين مرونة أكبر للعملة والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي.
The post إيشو: التجربة اليابانية تقدم دروسا للمغرب في إصلاح سعر صرف الدرهم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.