إيران... عندما تتحوّل الجغرافيا إلى عقيدة عسكرية وسياسة خارجية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

خرج من الصين قبل نحو 2500 عام قائد عسكري تاريخي، وضع خلاصة تجاربه في سلسلة مبادئ شكّلت فلسفة الحرب حتى عصرنا هذا. وفي كتابه "فن الحرب"، أفرد صن تزو مساحة كبيرة للعامل الجغرافي في الحروب، وأعطى كذلك أهمية للبعد النفسي لدى الجنود عندما يقاتلون على أرضهم.

وفي القرن التاسع عشر، لخّص الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت العامل الجغرافي بقوله: "إن كنت تعرف جغرافيا بلد ما، فستعرف سياسته الخارجية وعقيدته العسكرية".

وبالخلاصة، إنه حكم الجغرافيا، ومنه ولأجله نشأ مفهوم الجغرافيا السياسية.

ولحصر المسألة في الساحة المشتعلة راهناً في الشرق الأوسط، واستناداً إلى تعريف نابليون، وبالمقارنة بين الإمبراطورية الفارسية وإيران اليوم، نجد الكثير من القواسم المشتركة، ولا سيما من الناحية العسكرية. وقد أطلق بعض الباحثين على الإمبراطورية الفارسية اسم "الإمبراطورية العسكرية"، نظراً إلى الأهمية الكبرى التي أُعطيت للجيش.

جغرافياً، تتميز إيران بموقع استراتيجي فائق الأهمية، وقد يكون استثنائياً. فهي الدولة الثامنة عشرة من حيث المساحة في العالم، بمساحة تزيد على مليون ونصف مليون كيلومتر مربع، متفوقة بذلك على أوروبا الغربية بما يقارب نصف مليون كيلومتر مربع.

ولجهة التضاريس، تحيط بها الجبال من الجهات الأربع تقريباً، وهي ذات طبيعة وعرة، ولها إطلالة على بحر قزوين شمالاً، وتمتلك أطول شاطئ على الخليج غرباً، من ضمنه مضيق هرمز ونافذة باتجاه المحيط الهندي عبر بحر العرب. أما عدد السكان فيقارب 100 مليون نسمة.

وعن هذه النقطة تحديداً، يقول مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية الدكتور مصدّق بور لـ"النهار" إن إيران "تتمتع بكل المقوّمات الجغرافية والطاقوية والاجتماعية ومصادر القوة الذاتية، وتستفيد من الموقع الجيوسياسي وهذه الطاقات من أجل الدفاع عن نفسها".

 

الطريق والممرّ

 

هذا الموقع الجيوسياسي جعلها أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي، والسير بين حدّين: إما حاكمة أو محكومة. تاريخياً، كانت إيران محطة أساسية على طريق الحرير الصيني، ومع إطلاق مبادرة "الحزام والطريق" في عهد الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، لم يتغير الأمر، بل على العكس تماماً، خصوصاً مع تبيان ما تختزنه جغرافيتها من ثروات طبيعية من نفط ومعادن.

وخلال الحرب العالمية الثانية، قامت القوات البريطانية بتطوير شبكة الطرق والسكك الحديدية داخل إيران، ولا سيما الممر التاريخي الذي يربط جنوب البلاد بشمالها، في ما عُرف باسم "الممر الفارسي"، لنقل الإمدادات العسكرية الحيوية إلى الاتحاد السوفياتي شمالاً لصدّ الهجوم النازي.

وهذا الممر نفسه أُحيي مجدداً مع وصول فلاديمير بوتين إلى الكرملين، وارتفعت أسهمه الاستراتيجية مع بدء الحرب على أوكرانيا والعقوبات الغربية على إيران، ثم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.

إذن، تشكل إيران بحكم توسطها منطقة جنوب غرب آسيا نقطة التقاء بين الشرق والغرب. وفي هذا السياق، يشير بور إلى أن هذا الموقع الجغرافي جعل البلاد "مؤهلة لأن يكون لها تحالف مع روسيا والصين. فالطريق الأقرب إلى الصين هو طريق الحرير، ومع روسيا عبر ممر شمال – جنوب، ولهذا السبب فإن موضوع التحالفات مهم".

ويضيف الباحث الإيراني أن العامل الجغرافي أثار سابقاً اهتمام الولايات المتحدة التي ضمّت إيران إلى المعسكر الغربي، "فكانت الشرطي لحراسة المصالح الأميركية، وجداراً منيعاً أمام الجيش السوفياتي ووصوله إلى المياه الدافئة في الخليج".

العلاقة الصينية - الإيرانية، إضافة إلى تاريخيتها منذ "طريق الحرير" واستكمالها في نسخة القرن الحادي والعشرين منه "الحزام والطريق"، تقوم أيضاً على عوامل أخرى لا تقلّ أهمية. وعن هذه العوامل، يشرح الكاتب والباحث في الشؤون الآسيوية عامر تمّام أن إيران قريبة من دول آسيا الوسطى، التي تُعدّ مهمة جداً للصين وتنظر إليها على أنها عمقها الاستراتيجي، فيما يدور على هذه الساحة "صراع خفيّ بين الصين وروسيا".

ويتابع في حديثه مع "النهار" أن إيران بالنسبة إلى الصين هي "نقطة انطلاق"، لذلك تحرص بكين على أن تكون حاضرة في كل التجمعات التي تنشئها، مثل مجموعة "بريكس" ومنظمة "شانغهاي".

ويلفت تمّام إلى مسألة مهمة في العلاقات الصينية - الإيرانية، ويقول: "إيران منذ الثورة الإسلامية تبنّت أيديولوجيا تضعها في خلاف مع الولايات المتحدة، وهذا يجعلها صديقاً مضموناً للصين وحليفاً وفيّاً في منطقة الخليج". ويضيف أن الصين تعزز علاقتها مع إيران من خلال إقامة شراكة استراتيجية تمتد لنحو 25 عاماً.

 

جبال ألبرز الوسطى خلف جسر طبيعت للمشاة في شمال طهران. (أ ف ب)

 

الجيوسياسة العسكرية

 

الطبيعة الجغرافية لأي بلد تفرض عليه تحالفاته وخصومه، الذين يتبدّلون بحسب التوازنات السياسية الإقليمية والدولية. وقبل نحو قرنين من الزمن، نشأ في إيران مصطلح عُرف باسم "سوق جيشي"، ويعني قيادة المجموعات العسكرية. ويركز هذا المفهوم على تركيبة الوحدات العسكرية بحسب ما تقتضيه الطبيعة الجغرافية للبلاد، بما يشكل ترجمة لفكرة "الجيوسياسة العسكرية". ومن هذا المنطلق جاءت "عسكرة مضيق هرمز"، وتأمين استقرار بحر قزوين عبر التحالف والشراكة مع روسيا ودول آسيا الوسطى، ومد النفوذ باتجاه باب المندب.

وفي هذا السياق، يقول بور: "لا يستطيعون القضاء على إيران، حتى في حرب البحار، لأنها تمتلك مضيق هرمز. وقد تأخرت في الاستفادة من هذه الميزة، لكنها أثبتت أنها قادرة على خنق العالم الغربي. لذلك كانوا يفرضون حظراً على إيران من دول أوروبية أصغر منها، نتيجة إهمال المسؤولين الاستفادة من مصادر القوة التي تمتلكها. ولديها الكثير من المقوّمات القوية، لكنها تحتاج إلى عقول نيّرة لاكتشافها، وقد بدأنا باستخدام بعض منها. ونرى أنها وصلت إلى باب المندب".

ويشرح بور كيف صبّ ذلك في مواجهة الحرب والضغوط الأميركية، إذ "من خلال الميزات الجغرافية والجيوسياسية استطاعت إيران أن تفرض شروطها على المفاوضات مع الأميركيين. وعندما حاولوا اللعب على ورقة الحظر، استخدمت مضيق هرمز".

وهذا من الأسباب أيضاً التي دفعت الصين إلى توطيد علاقتها مع إيران، بحسب تمّام، إذ تريد بكين تأمين موارد الطاقة التي يمر معظمها عبر الخليج ومضيق هرمز، و"تحايلت على العقوبات الغربية، إذ تستورد ما يقارب 90 في المئة من النفط الإيراني حالياً".

ويشير أيضاً إلى أن بكين تريد من جهة موازنة النفوذ الروسي لدى طهران، ومن جهة ثانية تستفيد من عدم اكتمال العلاقات الإيرانية - الهندية، "وهذا يصبّ في مصلحة الصين لتعزيز منافستها للهند".

وتنظر الصين إلى مكاسبها المحتملة مع إيران في حال انفراج الأزمة بين طهران وواشنطن، إذ "سيكون لها حصّة الأسد من إعادة الإعمار والاستثمارات". ويستطرد قائلاً: "الصين تتبنّى مبدأ الحياد إلا في إيران، لذلك رأينا الفيتو الصيني في مجلس الأمن الدولي على المشروع الذي قدّمته البحرين".

وبالعودة إلى بور، يقول إن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتدمير الحضارة الإيرانية وإعادتها إلى العصر الحجري جعل الإيرانيين يطبّقون مبدأ "البيت الواحد والسقف الواحد". فهم يعتقدون أن كل ما يدور في هذا البيت "يخصّ أسرة واحدة"، وأن خلافاتهم "أمر طبيعي"، لكن ليس بمقدور أي أجنبي أن يتدخل بينهم أو يوظف شريحة معيّنة من الإيرانيين ضد أخرى، لأنهم يدافعون عن وطنهم وحضارتهم.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية