إيران بين "الغرف المغلقة" والميدان .. تصادم الإرادات و"ازدواجية الصولجان"

لا يمكن قراءة المشهد السياسي الإيراني بمعزل عن ثنائية “الجمهورية” و”الثورة”، وهي الثنائية التي أفرزت نظاماً برأسين يتنازعان السيادة على القرار الخارجي.

هذا الصراع الصامت، الذي تارةً يظهر كـ “توزيع أدوار” مدروس وتارةً أخرى كـ “تمرد سيادي”، يضع العالم أمام معضلة: هل تتفاوض العواصم الكبرى مع حكومة تمتلك الحقيبة، أم مع جنرالات يمتلكون الصاروخ؟

اقتصاد “الظل” وصناعة التصلب

خلف المواقف المتصلبة للحرس الثوري تكمن إمبراطورية مالية ضخمة (تُعرف بـ “خاتم الأنبياء” وغيرها من الأذرع). بالنسبة للحرس، العقوبات ليست مجرد أداة ضغط دولي، بل هي “بيئة حاضنة” لاقتصاد الظل والتهريب والالتفاف على النظام المالي العالمي، وهي مساحات لا يسيطر عليها إلا من يملك السلاح والمنافذ الحدودية.

المفارقة: بينما يرى السياسيون في رفع العقوبات “شريان حياة” لميزانية الدولة المتهالكة، يرى فيه الحرس الثوري تهديداً لامتيازاته الاقتصادية التي ازدهرت في ظل “اقتصاد المقاومة”. ومن هنا، ينبع التصلب ليس فقط كخيار أيديولوجي، بل كدرع لحماية مصالح نخب عسكرية لا تريد العودة إلى رقابة الشفافية المالية الدولية (مثل اشتراطات FATF).

“الميدان” يبتلع “الدبلوماسية”

تعد التسريبات الشهيرة لوزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف الوثيقة الأهم في هذا السياق؛ حيث اشتكى بوضوح من أن “الميدان” (أي العمليات العسكرية للحرس الثوري) كان دائماً يتقدم على “الدبلوماسية” ويضحي بها.

في المفاوضات مع أمريكا، كان السياسيون يسعون لبناء “ثقة” تقنية، بينما كان الحرس الثوري يقوم بتجارب صاروخية مكتوب عليها عبارات تهدد الخصوم، وهو ما كان ينسف جهود الفريق التفاوضي في اللحظات الحرجة.

هذه “الحيثية” هي ما التقطه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مدركاً أن الاتفاق مع “الحكومة” قد لا يغير سلوك “النظام”.

“حمائم” و”صقور”؟

يرى محللون أن هذا الانقسام قد لا يكون صراعاً صفرياً دائماً، بل هو “تكتيك إنهاك” للخصم الدولي:

فريق التفاوض (الحمائم): يقدمون الوعود، يبتسمون أمام الكاميرات، ويتحدثون لغة القانون الدولي لاستمالة أوروبا والصين وروسيا.

الحرس الثوري (الصقور): يرفعون سقف التهديد، يحركون الأذرع الإقليمية، ويخلقون واقعاً ميدانياً يجعل التنازلات الدبلوماسية تبدو “ضرورة أمنية” للغرب لتجنب الحرب.

هذا التبادل للأدوار يجعل الطرف المفاوض (واشنطن) في حيرة: هل يضغط على الحمائم لإضعافهم، أم يرضيهم لتقويتهم أمام الصقور؟ وهي لعبة إيرانية قديمة أتقنها النظام لإطالة أمد التفاوض وتحسين شروطه.

حارس الأيديولوجيا

يعتقد قادة الحرس الثوري أن الانفتاح على أمريكا ليس مجرد “اتفاق نووي”، بل هو “حصان طروادة” سيؤدي في النهاية إلى تغيير النظام.

لذا، فإن مواقفهم المتصلبة تنبع من عقيدة أمنية ترى في “المرونة” ضعفاً يغري العدو بالتقدم أكثر.

في المقابل، يدرك السياسيون (التكنوقراط) أن الانغلاق التام سيؤدي إلى انفجار اجتماعي داخلي بسبب الفقر والتضخم، مما يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر: الاستسلام للضغوط الدولية أو مواجهة الغضب الشعبي.

من يوقع ومن ينفذ؟

إن إشارة ترامب إلى وجود “أطراف لا تريد الاتفاق” داخل إيران كانت تلامس لبّ المشكلة البنيوية. فالدولة الإيرانية تعيش حالة “انفصام سياسي”؛ حيث تملك الخارجية “ختم التصديق” لكن الحرس يملك “مفتاح التنفيذ”.

وطالما بقي “الميدان” هو البوصلة الحقيقية للسياسة الخارجية، ستظل الدبلوماسية الإيرانية مجرد “مناورة” لتأجيل الأزمات لا حلها.

إن إيران بـ “رأسين” قد تنجح في المراوغة طويلاً، لكنها تخاطر في النهاية بفقدان التوازن والسقوط في هاوية المواجهة التي طالما حاولت تجنبها عبر “دبلوماسية الحمائم”.

The post إيران بين "الغرف المغلقة" والميدان .. تصادم الإرادات و"ازدواجية الصولجان" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress