إيران بعد الحرب: من الصمود الاستراتيجي إلى التأثير العالمي
– قراءة في دلالات مذكرة التفاهم –
مقدمة
في تاريخ الصراعات الدولية، لا تُقاس نتائج الحروب بعدد الطائرات التي أقلعت أو الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي دُمّرت، بل بمدى نجاح الأطراف المتحاربة في تحقيق الغايات السياسية التي خاضت الحرب من أجلها. فمنذ أن صاغ المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز مقولته الشهيرة بأن “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، أصبح الحكم على الانتصار والهزيمة مسألة سياسية واستراتيجية قبل أن تكون عسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحرب التي انتهت بمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تستحق قراءة تتجاوز السرديات الإعلامية والانفعالات السياسية. فالقضية لا تتعلق بمن أصاب أهدافاً أكثر أو بمن امتلك تفوقاً نارياً أكبر، بل بالسؤال الأهم: من الذي خرج من الحرب أقرب إلى أهدافه الاستراتيجية؟ ومن الذي اضطر إلى تعديل أهدافه أو التراجع عنها؟
إن القراءة المتأنية لبنود مذكرة التفاهم، مقرونة بتحليل موازين القوة التي أفرزتها الحرب، تكشف أن إيران لم تحقق مجرد صمود دفاعي، بل نجحت في تحويل الحرب نفسها إلى فرصة لإعادة تعريف مكانتها في النظام الإقليمي والدولي. وهذا ما يفسر لماذا يتحدث عدد متزايد من المحللين الاستراتيجيين، وأنا واحد منهم، عن انتصار استراتيجي إيراني وعن فشل أمريكي في تحقيق الأهداف السياسية الكبرى للحرب.
الانتصار في الفكر الاستراتيجي: معيار الأهداف لا معيار النيران
يُميز الفكر الاستراتيجي الحديث بين مستويين من النجاح: النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. فالنجاح التكتيكي يتعلق بالعمليات العسكرية المباشرة، كإصابة الأهداف وتدمير البنى العسكرية وإلحاق الخسائر بالخصم. أما النجاح الاستراتيجي فيرتبط بتحقيق الأهداف السياسية للحرب.
وقد شهد التاريخ الحديث حالات عديدة حققت فيها قوى عظمى نجاحات تكتيكية هائلة لكنها انتهت إلى إخفاقات استراتيجية. فالولايات المتحدة انتصرت في معظم المعارك الكبرى في حرب فيتنام، لكنها فشلت في منع توحيد فيتنام تحت قيادة خصومها. والاتحاد السوفييتي امتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً في أفغانستان، لكنه لم يستطع فرض نظام سياسي مستقر يخدم مصالحه. وحتى في العراق، نجحت الولايات المتحدة في إسقاط النظام خلال أسابيع، لكنها واجهت صعوبة في تحقيق الأهداف السياسية بعيدة المدى للحرب.
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأساسي: هل خرجت إيران من الحرب أضعف وأكثر عزلة وأقل نفوذاً، أم خرجت محتفظة بأهم عناصر قوتها، وأكثر قدرة على فرض مصالحها؟ مع تعزيز قدراتها الاستراتيجية؟
من سياسة الإكراه إلى سياسة الاعتراف
لعل أهم تحول كشفته مذكرة التفاهم هو انتقال العلاقة الأمريكية الإيرانية من منطق الإكراه إلى منطق الاعتراف المتبادل.
فلسنوات طويلة قامت الاستراتيجية الأمريكية على ثلاثة محاور مترابطة: العقوبات الاقتصادية، والضغط العسكري، والعزل السياسي. وكان الهدف المعلن هو تعديل السلوك الإيراني وتقليص النفوذ الإقليمي والحد من القدرات النووية والعسكرية.
غير أن بنود مذكرة التفاهم تعكس مساراً معاكساً. فبدلاً من الحديث عن تغيير السلوك بالقوة، أصبح الحديث يدور حول احترام السيادة وعدم التدخل وإنهاء الحرب والتفاوض على ترتيبات مستقبلية.
في الفكر الواقعي للعلاقات الدولية، يُعد الاعتراف المتبادل بين الخصوم أحد أهم مؤشرات توازن الردع. فعندما تنتقل قوة عظمى من محاولة فرض الإرادة إلى التفاوض مع الخصم على أساس المصالح المتبادلة، فهذا يعني أنها باتت تعترف بوجود حدود لقدرتها على الإكراه.
العقوبات: من أداة خنق إلى ورقة تفاوض
تكشف الفقرات المتعلقة بالعقوبات والأموال المجمدة والنفط عن تحول استراتيجي بالغ الأهمية. لقد كانت العقوبات طوال سنوات الأداة الرئيسية للضغط على إيران. وقد استندت الاستراتيجية الأمريكية إلى فرض كلفة اقتصادية متصاعدة بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفات الأمن الإقليمي والبرنامج النووي.
لكن مذكرة التفاهم تشير إلى مسار معاكس يقوم على رفع العقوبات وإعادة دمج إيران تدريجياً في الاقتصاد العالمي.
ومن منظور نظرية القوة الوطنية الشاملة، فإن رفع القيود الاقتصادية لا يعني فقط تحسين الوضع المعيشي أو زيادة الإيرادات الحكومية، بل يعني استعادة أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدولة: القدرة على تحويل الموارد الاقتصادية إلى نفوذ سياسي وعسكري وتكنولوجي.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن المكسب الاقتصادي الوارد في المذكرة لا يقل أهمية عن أي مكسب عسكري تحقق أثناء الحرب.
الحرب التي عززت ما كان يفترض أن تضعفه
من المفارقات التي تتكرر في التاريخ الاستراتيجي أن بعض الحروب تنتهي إلى تقوية الخصم الذي كان يفترض أن تضعفه.
لقد حدث ذلك مع بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية عندما فشل القصف الألماني في كسر الإرادة الوطنية البريطانية. وحدث بصورة مختلفة مع الصين خلال الحرب الكورية عندما خرجت أكثر حضوراً في التوازنات الدولية مما كانت عليه قبل الحرب.
وفي الحالة الإيرانية، تشير الوقائع إلى أن الحرب لم تؤد إلى تفكيك مؤسسات الدولة أو انهيار بنيتها السياسية أو تحييد قدراتها الاستراتيجية الأساسية. بل على العكس، دفعت إلى تسريع عمليات التكيف والتطوير وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية.
وتصف الأدبيات الاستراتيجية هذه الظاهرة بمفهوم “المرونة الاستراتيجية”؛ أي قدرة الدولة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى مصادر قوة جديدة.
مضيق هرمز والردع البنيوي
إذا كان القرن العشرون قد ارتبط بمفهوم الردع النووي، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد توسعاً في مفهوم الردع ليشمل الاقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق تبرز أهمية مضيق هرمز.
فإيران لا تحتاج إلى امتلاك أساطيل عالمية حتى تؤثر في الاقتصاد الدولي. يكفي أنها تتمتع بموقع جغرافي يجعلها مؤثرة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وقد أظهرت الحرب أن أي اضطراب كبير في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والتضخم العالمي والنمو الاقتصادي الدولي.
وهنا يظهر ما يسميه بعض منظري العلاقات الدولية “الردع البنيوي”، أي القدرة على فرض كلفة مرتفعة على الخصم عبر الموقع الجغرافي أو المكانة الاقتصادية أو التحكم في عقد استراتيجية حيوية.
ومن هذه الزاوية، فإن قوة إيران لا تكمن فقط في ترسانتها العسكرية، بل أيضاً في قدرتها على التأثير في البنية الاقتصادية للنظام الدولي.
من القوة الإقليمية إلى الفاعل الدولي المؤثر
قد يكون من المبالغة وصف إيران بأنها أصبحت قوة عالمية بالمعنى الذي تُوصف به الولايات المتحدة أو الصين. غير أن من الخطأ أيضاً النظر إليها باعتبارها مجرد قوة إقليمية تقليدية.
فالفاعلون الدوليون لا يُقاسون فقط بحجم اقتصاداتهم أو قدراتهم العسكرية، بل أيضاً بقدرتهم على التأثير في القضايا العابرة للحدود.
واليوم ترتبط بإيران ملفات تتعلق بالطاقة العالمية، والأمن البحري، ومنع الانتشار النووي، والتوازنات الإقليمية، وأسواق النفط، وشبكات النقل والتجارة الدولية. وهذه ملفات تمنحها وزناً يتجاوز حدود الإقليم.
وبذلك يمكن القول إن الحرب أسهمت في تسريع انتقال إيران من مرتبة القوة الإقليمية إلى مرتبة الفاعل الدولي المؤثر، القادر على التأثير في قرارات القوى الكبرى وحساباتها الاستراتيجية.
ختاما
تكشف الحرب ومذكرة التفاهم أن التحولات الكبرى في السياسة الدولية لا تنتج دائماً عن الانتصارات العسكرية التقليدية، بل كثيراً ما تنتج عن قدرة الدول على الصمود والتكيف وإعادة تعريف عناصر قوتها.
لقد دخلت إيران الحرب وهي هدف لسياسات الردع والاحتواء والعقوبات، وخرجت منها طرفاً يجري التفاوض معه على أساس المصالح المتبادلة والاعتراف المتبادل. ودخلت الحرب وهي تواجه حصاراً وضغوطاً متعددة الأبعاد، وخرجت وهي تتجه نحو استعادة جزء مهم من قدراتها الاقتصادية والمالية. كما دخلت الصراع باعتبارها موضوعاً للردع، وخرجت منه وقد أثبتت أنها قادرة على إنتاج الردع بنفسها عبر أدوات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية متشابكة.
ولهذا فإن الأهمية الحقيقية لما جرى لا تكمن في تفاصيل المعارك بقدر ما تكمن في التحول البنيوي الذي أفرزته الحرب: انتقال إيران من موقع الدفاع الاستراتيجي إلى موقع المبادرة الاستراتيجية، ومن كونها مشكلة تسعى القوى الكبرى إلى احتوائها إلى حقيقة جيوسياسية باتت تلك القوى مضطرة إلى التكيف معها.
وهذا، في جوهره، هو المعنى العميق للانتصار الاستراتيجي في الفكر السياسي وفي علم العلاقات الدولية.
باحث في العلوم السياسية والاستراتيجية وخبير دولي في الحكامة