إيران... المفاوضات الأبدية فيما تخترق العتبة النووية!
كم بقي من الوقت حتى تجتاز إيران العتبة النووية وتصبح دولة نووية؟
تشير تقديرات خبراء أميركيين مرموقين إلى أن إيران، إذا تمكنت من تحييد الولايات المتحدة وإبقاء مرافق برنامجها النووي بعيدة عن ضرباتها، فلن تحتاج إلا إلى بضعة أشهر لبلوغ مرحلة "اليورانيوم العسكري"، ومن عام إلى ثلاثة أعوام حتى تُنجز قنبلتها وتمتلك وسائل إيصالها.
ورغم ذلك، لا تبدو هذه الأرقام الدقيقة كافية، لأنها تمنح شعوراً زائفاً باليقين، وتفترض ضمناً أن الزمن النووي لا يزال قابلاً للقياس تقنياً.
من جهة أخرى، وحسب ما ينشره الإستراتيجيون الإيرانيون، لم تعد الحسابات الاقتصادية والعقوبات والدمار هي الهاجس الجوهري الأول لحكام طهران، بل أصبحت القضية الجوهرية هي استعادة الردع الدولي والإقليمي للنظام. وهكذا، يغدو الزمن النووي زمناً سياسياً أكثر منه تقنياً.
فقد يستغرق تطوير بعض المكونات ثلاث سنوات، لكن قرار وضعها على طاولة الاستراتيجية قد يحتاج إلى ساعات فقط. عندئذٍ تكتمل اللعبة، ويتحول النجاح العسكري الأميركي إلى إخفاق استخباراتي واستراتيجي فادح.
أظهرت الحرب الأخيرة أن تدمير التكنولوجيا أو المنشآت أو سلاسل التوريد لم يعد كافياً. فقد جعلت الأنفاق، وتدويل شبكات المعرفة وسلاسل الإنتاج، الضربات العسكرية ضرورية، لكنها غير كافية على الإطلاق.
وأصبحت معضلة عدم اليقين، والحاجة إلى التفتيش والاستخبارات والتحقق، أهم بكثير من مجرد تدمير المرافق أو اغتيال هذا العالم أو ذاك. فقد صار البرنامج جزءاً من معادلة بقاء النظام، لا مجرد قدرات تقنية أو حاجة اقتصادية أو وسيلة للردع الاستراتيجي.
في المقابل، يستتبع الاتفاق النهائي، كما يتصوره ترامب، آليات تحقق وتفتيش تُجرِّد إيران من قدراتها التفاوضية على ابتزاز المجتمع الدولي. أما التفاوض الأبدي، فيمنحها الغموض اللازم وغياب التفتيش، ويوفر لها ردعاً من دون كلفة العقوبات، فيما يتخبط المجتمع الدولي أمام معضلة مزمنة: بين امتلاك السلاح وعدم امتلاكه فعلاً.
لم يعد السؤال: هل سيتأخر البرنامج عاماً أم ثلاثة أعوام عن إنتاج القنبلة؟ بل أصبح: هل ما زلنا نعرف أين وصل؟ وهكذا يتحول الهدف الأميركي الراهن إلى إدارة عدم اليقين.
في هذا الوضع، لا تكون الشفافية ترفاً قانونياً، بل مورداً استراتيجياً للتحقق، لا يقل أهمية عن الردع العسكري.
وكما أظهرت الحرب، لم يعد الزمن متعلقاً بالبرنامج النووي وحده، بل بأسواق النفط، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والتضخم العالمي. وهكذا، يصبح الزمن النووي سلعة استراتيجية، تسعى الولايات المتحدة إلى شرائها، وتسعى إيران إلى استثمارها، بينما تعمل الأسواق على تسعيرها.
لقد أدى الضغط العسكري، وغياب التفتيش الفعّال، إلى تقويض منظومة التحقق، فتحولت السنوات التي ظن الغرب أنه كسبها إلى سنوات من الجهل الاستراتيجي. ذلك أن برنامجاً نووياً غامضاً أخطر بكثير، حتى لو كان أكثر بطئاً. فكل تقدير زمني هو، في جوهره، تقدير لمستوى المعرفة والتحقق المتاح، لا لمستوى التقدم التقني وحده.
وبذلك، يتغير السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط. فقد انتهى عصر القوة العسكرية الساحقة، ليصبح جوهر الحساب في إدارة المعرفة، وضمان الشفافية، وتقليص عدم اليقين.
وبحسب تقديرات هؤلاء الخبراء الأميركيين، تجاوزت إيران العتبة النووية بمعناها المألوف، لكنها لم تمتلك بعد القنبلة. ولعلها ترغب في البقاء بين هذين الحدين عبر لعبة الغموض والتفاوض الأبدي.
غير أن هذين التقديرين يخفيان أكثر مما يكشفان. فقد أصبح البرنامج النووي الإيراني جزءاً من بنية القوة في الجمهورية الإسلامية؛ يمنحها ورقة تفاوض، ويغذي شعوراً بالحصانة من أي حساب، ويخلق غموضاً رادعاً. لذلك، لا يمكن فهمه بمنطق الفيزياء وحده.