إيران - أميركا: الحرب لم تتوقف، بل تغيّرت!
عود على بدء. إيران قررت توسيع حلقة الاستهدافات في المنطقة، تحت عنوان الاشتباك المسلح أفضل وسيلة لحماية النظام من السقوط وفرض معادلة أمنية- اقتصادية في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر.
لا يريد النظام في طهران التفاوض لتحصيل مكاسب كالتي حصّلها في مفاوضات إسلام آباد ثم بحيرة لوسيرن في سويسرا. هذه المكاسب لا تحمي النظام الذي يريد المحافظة على حالة اشتباك عند نقطة مضيق هرمز وباب المندب.
ووفق قراءة النظام هذه الطريقة الفضلى لإبعاد كأس التفاوض على البنود الأخرى الجوهرية في الصراع مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عموماً، إضافة إلى إسرائيل. فالبرنامج النووي، البرنامج الباليستي، وصناعة المسيرات بعيدة المدى، والأذرع في كل من العراق ولبنان واليمن، بنود تحتاج إلى أن تبقى خارج التداول التفاوضي. لذا يبقى موضوع المضايق وحرية الملاحة الدولية والإقليمية الورقة الرابحة التي نجح الإيرانيون في فرضها كبند أول على طاولة التفاوض. وهذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها. أضف إلى ذلك أنه لا بد من القول إن التكتيك الذي اعتمده الرئيس دونالد ترامب لجلب إيران إلى طاولة مفاوضات نظمت على قاعدة تفاوض تقليدية مع طرف لا يقيم وزناً للخسائر الفادحة التي تكبدها على مختلف الأصعدة العسكرية والاقتصادية والمالية، مع انعكاساتها المباشرة على الواقع المعيشي والاجتماعي لعشرات الملايين من المواطنين الذين عانوا ويعانون الأمرّين. النظام لا يقيم وزناً للخسائر، ويعتبر أن الأهم هو بقاء النظام لا بقاء الإيرانيين.
هنا يمكن فهم مسارعة طهران إلى دفع أذرعها في المنطقة للتحرك بعد توقف الحرب الواسعة في الربيع الفائت. وهنا أيضاً يمكن فهم الذهاب أبعد في الأيام الماضية لناحية الاستهدافات التي طاولت دولة الكويت ومملكة البحرين، والأخطر، تكليف الأذرع في اليمن والعراق التحرش بالمملكة العربية السعودية، واستهداف بنى تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة.

وهنا أيضاً وأيضاً يمكن أن نقرأ التمسك بورقة التشويش على المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية، التي تتحرك في الاتجاه الصحيح لكن ببطء شديد، كون الذراع الإيرانية في لبنان أي "حزب الله" لا يتحرك خارج الأطر التي ترسم لها في طهران. هذه حقيقة ثبتتها مواقف معظم قادة الحزب المذكور التي تفيد بأن الحزب سيتورط مرة ثالثة في حرب مع إسرائيل مناصرة لإيران، وذلك على الرغم من النكبة التي استدرجها الحزب على الجنوب اللبناني والبيئة الشيعية بشكل عام، ناهيك على الكارثة الاقتصادية والمالية التي عصفت بلبنان نتيجة هذه "التبعية العمياء"، كيلا نستخدم عبارة أخرى!
لقد ارتكب الرئيس دونالد ترامب خطأ كبيراً ساعة تراجع في ذروة الحرب الأخيرة تاركاً للنظام الإيراني فسحة لإعادة تنظيم صفوفه، وجني أموال من بيع النفط الذي سمحت واشنطن بتصديره. هذا التراجع والذهاب إلى طاولة مفاوضات فضفاضة، بنودها بقيت عامة، ما سمح لحلفاء النظام الصين وروسيا ليرفدوه بدعم عسكري تقني واضح. وأقل هذا الدعم الرصد الفضائي الروسي لمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط التي تجمعها الأقمار الصناعية الروسية وتقدمها للحرس الثوري الإيراني. وهنا نقطة الضعف الرئيسية في استراتيجية الرئيس ترامب الذي يمثل إسقاط النظام حجر الرحى فيها.
التكتيك غلب الاستراتيجيا، ويُخشى أن يمر الوقت وتضيع فرصة التغيير الكبير في الشرق الأوسط؛ فإيران الحالية "الرجل المريض" في المنطقة. ومشكلة قياداتها أنها لا تعي أن المسار الانحداري سيتواصل في كل الأحوال. وكل مكسب تحصله إيران بالاعتداء على دول الجوار، وبتعميق حالة العداء العلني والضمني مع الإقليم، هو خطوة إضافية تقرب طهران الحالية من النهاية. وفي النهاية يمثل تحول الصراع الأميركي مع إيران إلى صراع ضمني مع الصين وروسيا. والفارق الكبير بين الطرفين أن الرئيس دونالد ترامب لا يملك ترف اللعب على الوقت لأن المتبقي من ولايته لا يتعدى السنتين إلا بقليل، فيما لا أفق لنهاية ولاية كل من شي جينبينغ وفلاديمير بوتين، وبطبيعة الحال لا معارضة لرئيسي الصين وروسيا على نقيض حالة ترامب في النظام السياسي الأميركي الديموقراطي. استغلال عامل الوقت قوة للنظام الإيراني وقوة للصين ولروسيا والعكس صحيح بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
استنتاجاً نقول إن الحرب لم تنته. نحن في خضم حرب لم تتوقف وتتخذ أشكالاً أخرى متنوعة. لكن السلوك الأميركي الحالي لا يبشر لغاية الآن بحملة جدية لإنهاء "الرجل المريض" الذي يؤذي المنطقة والعالم ويؤذي نفسه في الوقت عينه! فلننتظر ونرَ.