"إنستغرام"... "لينكد إن" الجديد في نظر جيل "زد"
في اقتصادٍ تحكمه خوارزميات الانتباه، لم تعد الشهادة وحدها كافية للتميّز، ولا باتت السيرة الذاتية وحدها تضمن الوصول إلى المقابلة الأولى. وبين آلاف الطلبات التي تمر يومياً عبر أنظمة الفرز الآلية، وجد عدد متزايد من أبناء جيل "زد" منفذاً مختلفاً إلى سوق العمل: كاميرا الهاتف. فمن خلال مقاطع قصيرة على "إنستغرام" و"تيك توك"، يحاول الشباب تحويل مهاراتهم وخبراتهم إلى محتوى مرئي يختصر المسافات، ويساعدهم على تجاوز بعض الحواجز التقليدية للتوظيف والوصول إلى أصحاب القرار.
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه سوق العمل العالمية أصعب مراحلها، مع تراجع معدلات التوظيف إلى أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات، وارتفاع عدد المتقدمين لكل وظيفة بنسبة 30%، وفق بيانات "لينكدإن". وفي ظل هذا التنافس الحاد، يبحث جيل نشأ في بيئة رقمية بصرية وتفاعلية عن وسائل جديدة للفت أصحاب العمل وإبراز قدراته.
كذلك أصبحت السيرة الذاتية التقليدية وحدها أقل قدرةً على تمييز المتقدمين في بيئة تشهد تدفقاً هائلاً للطلبات، خصوصاً مع اعتماد كثير من الشركات على أنظمة فرزٍ آلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقييم المرشحين في المراحل الأولى. هذا الواقع دفع كثيراً من الشباب إلى البحث عن طرق بديلة لإثبات كفاءاتهم والوصول مباشرة إلى الشركات.

ويعتمد هذا النهج الجديد على المحتوى المرئي القصير، بحيث يعرض المتقدمون نماذج عملية من أعمالهم وخبراتهم بدلاً من الاكتفاء بسرد المهارات على الورق. كما تتيح مقاطع الفيديو إظهار مهارات شخصية مهمة مثل الثقة بالنفس، والقدرة على التواصل، وسرعة عرض الأفكار، وهي عناصر يصعب قياسها عبر السيرة الذاتية التقليدية.
وفي المقابل، يبدي بعض الشباب تفضيلاً لمنصات أكثر عفوية مثل "إنستغرام" و"تيك توك" مقارنةً بالبيئة المهنية التقليدية على "لينكدإن"، حيث تتيح لهم هذه المنصات التواصل المباشر والمرن مع أصحاب الشركات ومسؤولي التوظيف، بما في ذلك عبر الرسائل المباشرة.
ورغم ما يوفره هذا التحول من فرص جديدة، فإنه يثير تساؤلات حول العدالة المهنية، إذ قد يمنح أفضليةً للأكثر قدرة على الظهور وصناعة المحتوى، على حساب أصحاب الكفاءات العميقة الذين لا يفضلون العمل في فضاء العرض الرقمي المستمر.
ويرى مراقبون أن ما يحدث يتجاوز كونه اتجاهاً عابراً، إذ بدأ بعض الشركات، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والتسويق والإعلام الرقمي، بإيلاء اهتمامٍ أكبر للمنصات البصرية عند البحث عن المواهب. ومع استمرار هيمنة اقتصاد الانتباه، قد تتجه السيرة الذاتية مستقبلاً إلى أن تصبح جزءاً من قصة مهنية أكثر تفاعلية، تجمع بين الخبرة المكتوبة والحضور الرقمي والمحتوى المرئي.