إمبراطورية “الفيفا” وإذعان الدولة القومية: من تجربة ترامب إلى رهانات مونديال 2030..
شكلت الهزيمة المدوية والظهور المتواضع للمنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي في مباراة بوسطن، صدمة نفسية وسياسية حادة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، لتطرح علامات استفهام كبرى في أوساط الشارع الرياضي وعلى منصات التواصل الاجتماعي حول حدود النزاهة والسيادة في منظومة كرة القدم العالمية. لم تكن الخسارة في نظر الجماهير مجرد كبوة رياضية لمنتخب لطالما حُمل بآمال عريضة، بل أعادت إلى الأذهان فوراً التغريدات والمنشورات التي تذكر بسيناريوهات مونديال قطر 2022، حينما اقتحم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستودع ملابس الفريق المغربي عقب مباراة نصف النهائي في خطوة رمزية بالغة الدلالة.
ومما زاد من منسوب الشكوك المتداولة على نطاق واسع في الفضاء الرقمي وحديث الشارع، تزامن مباراة بوسطن مع حراك دبلوماسي رفيع المستوى تمثل في زيارة رئيس الوزراء الفرنسي للمغرب برفقة وفد ثقيل يضم عشرة وزراء؛ وهو ما فجر سيلاً من النقاشات الجماهيرية والتحليلات الميتا-رياضية بين رواد منصات التواصل الاجتماعي حول مدى طبخ هذه النتائج في مطابخ الدبلوماسية السرية لتمرير صفقات اقتصادية كبرى على حساب الشغف الجماهيري.
صراع الغرف المغلقة
وهنا تحديداً، يتحول حديث الشارع الممتزج بمرارة الهزيمة إلى مدخل أساسي لفهم الآليات البنيوية المُنظِّمة للرياضة العالمية؛ إذ لم تعد المباريات مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف كرة جلدية، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لموازين القوى الدولية. فما يراه المشجع البسيط على شاشات التلفاز كـ “مؤامرة سياسية” أو “صفقة دبلوماسية” لتمرير مصالح عابرة للحدود، ليس في الواقع إلا عَرَضاً جانبياً لمرض هيكلي أصاب بنية اللعبة المعاصرة.
تُثبت هذه التطورات المتلاحقة أن الكارتل الرياضي العالمي، المتمثل في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، يدير لعبة تفوق قيمتها الاقتصادية والسياسية مجرد تسجيل الأهداف، لتتحول كرة القدم المعاصرة أشبه بوزارة خارجية عابرة للقارات ترتدي قميصاً رياضياً. في المشهد المونديالي الحالي، يتجلى هذا التشابك المعقد بشكل غير مسبوق في تاريخ البطولة، حيث تصطدم إمبراطورية الفيفا ذات السيادة المالية المطلقة ببنية الدولة القومية البراغماتية، وتحديداً في أمريكا الشمالية. لقد تخلت الفيفا منذ عقود عن جلباب العمل التطوعي غير الربحي لتتحول إلى شركة احتكارية عابرة للحدود، تفرض على الدول المضيفة شروطاً إذعانية تقضم من سيادتها القانونية والمالية، مستغلة الشغف الشعبي العارم باللعبة. غير أن هذا التوغل التاريخي واجه في النسخة الحالية من المونديال حائطاً صلباً تمثل في استراتيجية الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، والتي أعادت رسم حدود العلاقة بين السلطة السيادية للدولة والشبكات الرأسمالية الرياضية العابرة للحدود، مؤكدة أن القواعد تُكتب في واشنطن وليس في زيورخ.
فرملة النفوذ الرياضي
تاريخياً، اعتادت الفيفا صياغة ما يُعرف بـ “اتفاقيات المدن المضيفة” بأسلوب يضمن لها السيطرة المطلقة على الفضاءات الحضرية وقوانين الضرائب المحلية، مستحدثة ما يشبه “الجزر السيادية” داخل الدول المتنافسة على التنظيم. لكن الإدارة الأمريكية الحالية تعاملت مع هذا الكيان الرياضي بمنطق “الواقعية السياسية” البحتة، رافضة منح شيك على بياض لمؤسسة تلاحقها ظلال الفساد منذ عقود. تجلت هذه الفرملة السياسية في ربط التمويل الفيدرالي المخصص للأمن واللوجستيك، والبالغ في حزمته الأولية الموجهة لوكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية نحو 625 مليون دولار، باشتراطات أمنية وسيادية صارمة لم تسمح للفيفا بالانفراد بإدارة المشهد. هذا الضغط القانوني والمالي أجبر قيادة الاتحاد الدولي على تقديم تنازلات جوهرية، والجلوس على طاولة المفاوضات في البيت الأبيض لطلب حلحلة التعقيدات الإجرائية، مما كسر كبرياء المنظمة التي لطالما اعتبرت نفسها فوق الحكومات وخارج نطاق المساءلة السياسية للدول القومية.
لم تقتصر المواجهة الأمريكية مع طغيان الفيفا على الجوانب الأمنية والسيادية، بل امتدت لتشمل العمق المالي ونموذج الأعمال الاحتكاري الذي يعتمد عليه الاتحاد الدولي لتعظيم أرباحه على حساب المستهلكين المحليين. فقد واجهت الفيفا جبهة قانونية شرسة قادها مدعون عموميون في ولايات أمريكية محورية مثل نيويورك وكاليفورنيا وتكساس، احتجاجاً على تطبيق آلية “التسعير الديناميكي” لبطاقات المباريات، والتي ترفع الأسعار بشكل جنوني يعزل الفئات المتوسطة والفقيرة. إن هذا التدخل القضائي من طرف الولايات يعكس رغبة واضحة في كبح جماح التوغل التجاري للفيفا، وحماية مواطنيها من الابتزاز المالي المنظم الذي تمارسه كارتيلات الرياضة المعولمة. هذه الخطوات التشريعية وضعت خطوطاً حمراء أمام طموحات جياني إنفانتينو، وأثبتت أن قوة الدولة القومية وقوانينها المحلية لا تزال قادرة على لجم الكيانات الرأسمالية العابرة للحدود عندما تتوفر الإرادة السياسية الحمائية.
وهم العوائد الاقتصادية
عند إخضاع الدورة المالية للبطولة للتحليل المالي الراديكالي، يتبدى لنا بوضوح الخلل الهيكلي الفادح في توزيع الأعباء والمنافع بين الطرفين، وهو ما يمكن وصفه بـ “رأسمالية الكوارث الرياضية” حيث يتم تخصيص الأرباح وعولمة الخسائر. تتوقع الفيفا تحقيق عوائد فلكية غير مسبوقة تصل إلى 11 مليار دولار كحد أدنى وقد تتجاوز 13 مليار دولار خلال الدورة الاقتصادية الحالية، مدفوعة بارتفاع قياسي في قيم حقوق البث التلفزيوني التي ناهزت 3.9 مليار دولار، وعقود الرعاية والتسويق التي بلغت 2.8 مليار دولار، ناهيك عن مبيعات التذاكر والضيافة. الصدمة المعرفية هنا تكمن في أن هذه المليارات تتدفق مباشرة وبنسبة تقارب 100% إلى الخزائن السويسرية للاتحاد الدولي، مع تمتعها بإعفاءات ضريبية شاملة فرضتها الفيفا كشرط مسبق للتنظيم، دون أن تساهم المنظمة بدولار واحد في تكاليف البنية التحتية التشغيلية على الأرض.
في المقابل، تجد المدن الـ 16 المضيفة للبطولة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك نفسها غارقة في مستنقع من النزيف المالي المستمر لتغطية نفقات التنظيم اللوجستية والأمنية. ورغم أن هذه النسخة تميزت بعدم بناء ملاعب جديدة لتوفر منشآت كرة القدم الأمريكية الضخمة، إلا أن تكاليف صيانة وتأهيل الملايين من المساحات والمرافق استنزفت الميزانيات المحلية بشكل مرعب. تتراوح التكلفة التشغيلية المباشرة التي تتحملها كل مدينة على حدة بين 100 و250 مليون دولار، وهي أموال تُقتطع مباشرة من جيوب دافعي الضرائب ومن ميزانيات القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة. هذه المدن تجد نفسها أمام معضلة عجز مالي محقق، نظراً لأن شروط الفيفا الصارمة تمنعها من إبرام عقود رعاية محلية في محيط الملاعب، لحماية الرعاة الحصريين والعالميين للمنظمة، مما يحرم الاقتصاد المحلي من أي عائد استثماري حقيقي.
فخ المديونية المستدامة
تستند الفيفا في بروباغندا التسويق للمونديال إلى نظريات اقتصادية كلاسيكية تزعم أن الفعاليات الرياضية الكبرى تحدث صدمة طلب إيجابية، وتحفز النمو عبر تنشيط قطاعات السياحة والفندقة وخلق فرص الشغل الموسمية. غير أن التحليل الأكاديمي المعمق لمؤشرات التنمية يكشف عن ظاهرة تشوه بنيوي خطير تُعرف في أدبيات اقتصاد الرياضة بـ “أثر الإحلال والتزاحم”. إن التدفق الهائل لمشجعي كرة القدم يؤدي تلقائياً إلى قفزات جنونية في أسعار الفنادق والخدمات، وارتفاع منسوب الاكتظاظ المروري، مما يدفع السياح التقليديين ورجال الأعمال (وهم الفئة الأعلى إنفاقاً والأكثر استدامة في دعم الاقتصاد المحلي) إلى مقاطعة المدن المضيفة تماماً طوال فترة البطولة، مما يحول العائد السياحي المتوقع إلى سراب اقتصادي لا طائل منه.
الأخطر من ذلك هو أن الأموال السائلة التي يُنفقها المشجعون خلال أسابيع البطولة لا تضخ في شرايين الدورة الاقتصادية المحلية للمهن والشركات في المدن المضيفة، بل تتجه عبر قنوات مالية ملتوية إلى حسابات سلاسل الفنادق العالمية العابرة للقارات، وشركات الطيران الدولية، والشركات الاحتكارية الكبرى.
هذا الواقع يحول الإنفاق العام الموجه للبطولة إلى آلية لإعادة توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، حيث يتحمل المواطن البسيط عبء الدين العام الناتج عن تمويل اللوجستيك الأمني والبلدي، بينما تجني النخب الرأسمالية والشركات متعددة الجنسيات الأرباح الصافية. إن تمويل هذه الفعاليات عبر الاقتراض يعمق العجز الهيكلي للموازنات، ويترك الحكومات المحلية، خاصة في المكسيك وبعض المقاطعات الكندية، تواجه تبعات مديونية طويلة الأجل تقيد قدرتها التنموية لسنوات قادمة بعد أن تنفض سامر البطولة وتطفأ أنوار الملاعب.
مونديال 2030
في هذا الفضاء المالي المعقد، تتجاوز الدروس المستفادة حدود القارة الأمريكية لترمي بظلالها الكثيفة على الاستراتيجيات التنموية المستقبلية، وتحديداً في حوض البحر الأبيض المتوسط. إن اقتراب موعد مونديال 2030، الذي يشارك المغرب في تنظيمه، يضع الدولة الوطنية أمام اختبار بنيوي حاد يتعلق بمدى قدرتها على الموازنة بين متطلبات الكارتل الرياضي العالمي وحماية النسيج الاجتماعي المحلي. فما تشهده المدن المغربية الكبرى اليوم من عمليات هدم لأحياء بكاملها، وتهجير لساكنيها نحو الأطراف، يمثل إفرازاً مباشراً لضغوط “الوعاء العقاري الاستراتيجي” الذي تفرضه جماليات الاستضافة النيوليبيرالية، حيث تحول المونديال إلى رافعة لنزع الملكية وإعادة هندسة المجال الحضري لصالح النخب العقارية الكبرى.
ولا يقتصر هذا التوغل على إعادة تشكيل الجغرافيا الحضرية، بل يمتد ليطال المنظومة التشريعية والقيمية للدولة؛ حيث تبرز محاولات حثيثة لتعديل القوانين المحلية بما يتوافق مع ما يُسمى “دفاتر تحملات الفيفا”. ولعل النقاشات البرلمانية والقانونية الأخيرة، ولا سيما تصريحات وزير العدل المثيرة للجدل بشأن مراجعة القوانين المنظمة للعلاقات الرضائية والحريات الفردية، تكشف بوضوح عن مدى الضغط التشريعي المحموم لمجاراة الشروط الثقافية والسلوكية للعولمة الرياضية. إن هذا التماهي الإجرائي يعكس تغولاً خارجياً يهدد السيادة القانونية، ما لم تستوعب النخب السياسية والاقتصادية الدرس الأمريكي الصارم، الذي أثبت أن لجم طغيان الفيفا وضبط سلوكها لا يتحقق بالخنوع لدفاتر التحملات، بل بتفعيل أجهزة الدولة السيادية لحماية الاقتصاد الوطني والخصوصية المجتمعية.
اقتصاد في سياسة
ولمن أراد التعمق في تفكيك هذه الرؤية الجيو-اقتصادية والفلسفية الشاملة، ومتابعة الأبعاد السوسيو-اقتصادية والكمية التي تحرك هذه التحولات الإقليمية الكبرى من خلف الستار، ندعوكم لمتابعة الحلقات التحليلية المعمقة لبرنامج “اقتصاد في سياسة”، حيث نناقش هذه الملفات برؤية أكاديمية وازنة وعبر الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
أكاديمي وكاتب مغربي