إلى رئيس الحكومة نواف سلام: ضرورة إعادة تقييم مشروع وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
جبران الخوري *
بعد إحالة الحكومة اللبنانية، بموجب مرسوم، مشروع قانون الى مجلس النواب بهدف إنشاء وزارة أصيلة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتكليف رئيس الحكومة نواف سلام بتنفيذ أحكام هذا المرسوم، تتجلى مفارقة أساسية في النقاش الدائر حول إنشاء هذه الوزارة، إذ لا تكمن فقط في جدوى الوزارة بحد ذاتها، وإنما في التناقض العميق بين هذا المشروع والخطاب الإصلاحي الذي رُفع لعقود في قطاع الاتصالات والإدارة العامة.
فالفريق الذي أمضى سنوات يدعو إلى تحرير قطاع الاتصالات، وتخفيف القيود التنظيمية، وتقليص البيروقراطية، والانتقال من نموذج "الدولة المشغّلة" إلى نموذج "الدولة المنظّمة والمحفّزة"، يتبنّى اليوم مقاربة مختلفة تماماً في ملف الذكاء الاصطناعي عبر الدفع نحو إنشاء وزارة جديدة مستقلة، بما يعني عملياً توسيع الهيكل الإداري وإضافة طبقة بيروقراطية جديدة إلى دولة تعاني أصلاً من تضخم المؤسسات وضعف التنسيق بينها.

الإشكالية هنا تتصل بطبيعة المقاربة المعتمدة لإدارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فهذا المجال أصبح من ركائز الأمن الاقتصادي والسيادي والإداري للدول الحديثة، إلا أنه يختلف عن القطاعات التقليدية كالاتصالات أو الطاقة، كونه ملفاً أفقياً وعابراً لمختلف الإدارات والقطاعات، من الأمن والدفاع إلى التعليم والصحة والقضاء والاقتصاد والخدمات المالية والإدارة العامة. ولهذا السبب، يقوم الاتجاه الغالب عالمياً على إدماج سياسات الذكاء الاصطناعي ضمن الهياكل الحكومية القائمة، سواء عبر رئاسة الحكومة أو وزارات الاقتصاد والتحول الرقمي أو هيئات تنسيق وطنية مرنة تجمع الإدارات الرسمية والقطاع الخاص والجامعات والجهات التنظيمية.
نموذج الامارات
في الواقع، تكاد دولة الإمارات، ولها خصوصيتها، تُشكل الاستثناء الأبرز عالمياً من خلال تخصيص حقيبة وزارية للذكاء الاصطناعي، فيما تعتمد غالبية الدول المتقدمة نماذج حوكمة مختلفة ترتكز على التنسيق الأفقي والمرونة المؤسساتية. فالولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وكندا، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، واليابان، وضعت جميعها استراتيجيات وطنية متقدمة للذكاء الاصطناعي من دون إنشاء وزارات مستقلة متخصصة بهذا الملف. ويعكس ذلك قناعة متزايدة لدى الدول المتقدمة بأن سرعة تطور التكنولوجيا تفرض هياكل مرنة وقابلة للتكيّف أكثر من حاجتها إلى أجهزة إدارية جديدة وثقيلة.

كذلك، تتجه تجارب الحوكمة الرقمية الحديثة نحو الحد من التعدد المؤسساتي وتحسين التنسيق بين الإدارات القائمة، مع التركيز على بناء القدرات الرقمية للدولة، واستقطاب الكفاءات، ووضع أطر قانونية وتنظيمية للبيانات والخصوصية والأمن السيبراني والمنافسة والابتكار. أما استحداث وزارة جديدة في دولة تعاني أساساً من تضخم إداري وضعف إنتاجية القطاع العام، فيثير تساؤلات مشروعة حول الكلفة والفعالية وتداخل الصلاحيات واحتمال إعادة إنتاج البيروقراطية نفسها التي جرى انتقادها لعقود.
ويكتسب هذا النقاش بعداً إضافياً عندما يصدر الطرح عن وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة نفسه، الذي كان من أبرز المنتقدين تاريخياً لبيروقراطية وزارة الاتصالات ولتضخم الدور التشغيلي للدولة في هذا القطاع، والداعين إلى نماذج أكثر مرونة تقوم على تحرير السوق، وتخفيف القيود التنظيمية، وترشيق الإدارة العامة. إلا أن المقاربة المطروحة اليوم في ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تبدو متعارضة مع هذا الخطاب الإصلاحي السابق، من خلال الدفع نحو إنشاء وزارة جديدة مستقلة من دون تقديم دراسة علمية شاملة أو رؤية مؤسساتية متكاملة تبرر هذا التحول الجذري في فلسفة الحوكمة.
فوفق الأصول التشريعية ومبادئ الحوكمة الرشيدة، يُفترض أن تتضمن الأسباب الموجبة لأي مشروع قانون لإنشاء وزارة جديدة شرحاً واضحاً ومفصلاً للوضع القائم، ولا سيما تحديد الوزارات والمؤسسات والهيئات التي تعمل حالياً في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتوصيف الثغرات أو أوجه القصور الموجودة، وبيان مواقع تضارب الصلاحيات أو تشتتها، إضافة إلى تفسير الأسباب التي تجعل الهياكل الحالية عاجزة عن معالجة هذه النواقص.
كذلك، يفترض بالأسباب الموجبة أن تشرح بصورة دقيقة ما الذي ستضيفه الوزارة الجديدة عملياً، وكيف ستسد هذا النقص، وما هي صلاحياتها وحدودها وعلاقتها بالمؤسسات القائمة، فضلاً عن أثرها المالي والإداري والتنظيمي، تجنباً لتكرار المهام أو استحداث طبقة بيروقراطية إضافية من دون قيمة مضافة واضحة أو نتائج قابلة للقياس.
بينما خلت الاسباب الموجبة المرفقة بمشروع قانون إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الذي تقدم به الوزير شحادة من اي اسباب موجبة حقيقية، وجاء بصيغة تجميلية.
ويزداد هذا النقاش أهمية في الحالة اللبنانية تحديداً، حيث تعاني الدولة أصلاً من تداخل الصلاحيات بين الوزارات والهيئات، ومن ضعف البنية الرقمية، ومن غياب قواعد الحوكمة الرشيدة في التوظيف والإنفاق وإدارة المشاريع التقنية. لذلك، يفترض بأي نقاش جدي حول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أن يبدأ بتقييم واقع المؤسسات الحالية المعنية بالتكنولوجيا والحوكمة الرقمية والأمن السيبراني، وتحديد مكامن الخلل والفجوات القائمة، قبل الانتقال إلى اقتراح إنشاء وزارة جديدة وكأن المشكلة تكمن حصراً في غياب هيكل إداري إضافي.
فالتحول الرقمي الفعلي يرتبط ببناء مؤسسات فعالة، وتبسيط الإجراءات، وربط الإدارات رقمياً، وتحديث القوانين المتعلقة بالبيانات والمشتريات العامة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، واستقطاب الخبرات والكفاءات، وإرساء حوكمة شفافة قادرة على مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع. وفي ظل غياب دراسة علمية شاملة تبرر الحاجة إلى وزارة مستقلة وتحدد بدقة الثغرات التي تعجز المؤسسات الحالية عن معالجتها، يبقى من المشروع طرح تساؤل أساسي حول ما إذا كان هذا الطرح يشكل إصلاحاً فعلياً في إدارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أو مجرد إعادة إنتاج للنموذج البيروقراطي نفسه تحت عنوان جديد.
في ضوء ما تقدّم، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر بهدوء وموضوعية في مشروع قانون إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قبل المضي به تشريعياً وإدارياً، خصوصاً أن هذا الملف يتصل مباشرة ببنية الدولة اللبنانية ونموذج الحوكمة الرقمية الذي سيُعتمد للسنوات المقبلة.
فالقضية لا تتعلق بمجرد استحداث وزارة جديدة، وإنما بخيار مؤسساتي وإداري ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على توزيع الصلاحيات، وكفاءة الإدارة العامة، والإنفاق العام، وآليات التنسيق بين المؤسسات.
من هنا، تقع على عاتق رئيس الحكومة نواف سلام مسؤولية أساسية في إعادة تقييم هذا الطرح، لا سيما أن رئيس الحكومة هو الجهة المكلّفة عملياً بتنفيذ المرسوم الذي أُحيل بموجبه مشروع القانون.
ومن الطبيعي، وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة والأصول التشريعية السليمة، أن يُعاد درس المشروع على أساس علمي ومؤسساتي واضح، وأن تُستكمل أي خطوات تشريعية بدراسة شاملة تحدد بدقة واقع المؤسسات الحالية، والثغرات الفعلية القائمة، والبدائل الممكنة، والكلفة الإدارية والمالية، ومدى انسجام النموذج المقترح مع الاتجاهات الدولية الحديثة في حوكمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
فلبنان يحتاج اليوم إلى إصلاح فعلي في الإدارة الرقمية وحوكمة التكنولوجيا، وإلى مؤسسات فعالة وقادرة على التنسيق والتنفيذ، وإلى رؤية وطنية واضحة للتحول الرقمي والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. أما التوسع الإداري غير المدروس، فيبقى عرضة لأن يتحول إلى عبء إضافي على دولة تعاني أساساً من تضخم الهياكل وضعف الفعالية وتداخل الصلاحيات.
*خبير في ادارة الاتصالات