إلغاء الرسوم الصينية على الواردات الإفريقية يعيد رسم التوازنات التجارية

ألغت الصين الرسوم الجمركية على وارداتها القادمة من 53 دولة إفريقية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة واضحة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي لبكين داخل القارة، مستفيدة من التوتر المتزايد في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الإفريقية منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وفرضه سلسلة رسوم جمركية جديدة على شركاء تجاريين حول العالم.

ووفق ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”، دخل القرار الصيني حيز التنفيذ مطلع مايو الجاري، ويشمل جميع السلع القادمة من الدول الإفريقية باستثناء مملكة إسواتيني الصغيرة التي لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع تايوان، في وقت تسعى فيه بكين إلى توسيع حضورها الاقتصادي داخل القارة الإفريقية التي تضم أكثر من مليار نسمة وتملك احتياطات ضخمة من المعادن والموارد الطبيعية.

القرار الصيني جاء في توقيت حساس بالنسبة لعدد من الاقتصادات الإفريقية التي باتت تواجه صعوبات متزايدة في الوصول إلى الأسواق الأميركية بسبب السياسات التجارية الجديدة التي تبنتها إدارة ترامب، والتي شملت فرض رسوم جمركية مرتفعة على عدد من الدول، بينها جنوب إفريقيا والكونغو الديمقراطية، إضافة إلى فرض رسوم عامة بنسبة 10 في المئة على جميع الواردات تقريباً، وهي الإجراءات التي لا تزال تواجه طعوناً قانونية داخل الولايات المتحدة.

ويرى محللون أنّ بكين تحاول استغلال هذا الفراغ السياسي والاقتصادي لتعزيز صورتها كشريك مستقر للدول النامية، خصوصاً في إفريقيا، حيث تنظر حكومات عديدة إلى الصين باعتبارها نموذجاً تنموياً استطاع خلال عقود قليلة إخراج مئات الملايين من الفقر وتحقيق قفزات اقتصادية هائلة.

وقال روناك غوبالداس، مدير شركة “سيغنال ريسك” المتخصصة في المخاطر السياسية الإفريقية، إنّ الخطوة الصينية “ذكية سياسياً”، لأنها تعزز صورة بكين كشريك يمكن الاعتماد عليه، خاصة بالمقارنة مع ما وصفه بالسياسات الأميركية المتقلبة خلال السنوات الأخيرة .

وتعد الصين بالفعل أكبر شريك تجاري لإفريقيا منذ سنوات، إذ ارتفعت قيمة الواردات الصينية من القارة بشكل متواصل، خصوصاً في مجالات المعادن والطاقة والمواد الخام، بينما تواصل الشركات الصينية توسيع استثماراتها في مشاريع البنية التحتية والطرق والموانئ والسكك الحديدية عبر مختلف الدول الإفريقية.

ويعتقد خبراء أنّ سياسة الإعفاء الجمركي الجديدة ستمنح بكين فرصة إضافية لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن الاستراتيجية التي تحتاجها الصناعات الصينية، مثل الكوبالت والنحاس والكولتان، وهي معادن تدخل في صناعة البطاريات والتكنولوجيا المتقدمة والسيارات الكهربائية.

كما تفتح الخطوة الباب أمام توسع أكبر للشركات الصينية داخل قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة في إفريقيا، خاصة أنّ عدداً من الحكومات الإفريقية لا يزال يعتمد بشكل كبير على التمويل الصيني لإنجاز مشاريع البنية التحتية الكبرى.

وفي كينيا، قال نائب الرئيس كيثوري كينديكي خلال منتدى اقتصادي في نيروبي إنّ الإعفاء الجمركي الجديد يمنح بلاده فرصة لتقليص العجز التجاري مع الصين، والذي يقدر بنحو أربعة مليارات دولار، مشيراً إلى أنّ منتجات مثل القهوة والشاي والأفوكادو والمكاديميا قد تستفيد من دخول السوق الصينية دون رسوم جمركية.

غير أنّ مراقبين يرون أنّ القرار الصيني، رغم أهميته السياسية، لن يغير سريعاً طبيعة العلاقة التجارية القائمة بين الصين وإفريقيا، والتي تعتمد أساساً على تصدير المواد الخام الإفريقية مقابل استيراد المنتجات الصناعية الصينية.

وقال كوبوس فان ستادن، مدير الأبحاث في مشروع “الصين والجنوب العالمي”، إنّ الإعفاءات الجمركية لا تعالج العقبات الأساسية التي تحد من الصادرات الإفريقية إلى الصين، مثل القيود الصحية المعقدة وضعف البنية التحتية ومشكلات النقل والخدمات اللوجستية داخل عدد كبير من الدول الإفريقية.

كما عبّرت أوساط اقتصادية في نيجيريا عن مخاوفها من استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف البنية التحتية، وهو ما قد يحد من قدرة الشركات المحلية على الاستفادة الحقيقية من الوصول الحر إلى السوق الصينية، رغم تحسن القدرة التنافسية للمنتجات النيجيرية نظرياً بعد إلغاء الرسوم الجمركية.

وفي ليسوتو، التي استفادت من الإعفاءات الصينية منذ نهاية عام 2024 باعتبارها من الدول الأقل نمواً، يرى مسؤولون سابقون أنّ الاستفادة الفعلية من القرار تتطلب تطوير القدرة الإنتاجية المحلية وتحسين عمليات التصنيع والخدمات اللوجستية ودعم المصدرين، حتى لا تبقى البلاد مجرد مصدر للمواد الخام منخفضة القيمة.

وتأتي هذه التحركات في ظل تراجع نسبي للحضور الأميركي داخل القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتقليص عدد الدبلوماسيين الأميركيين في عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى الغموض الذي يحيط بمستقبل قانون “أغوا” الذي يمنح بعض المنتجات الإفريقية دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الأميركية.

كما أثارت تصريحات ترامب بشأن بعض الدول الإفريقية توتراً إضافياً، بعدما هدد ليسوتو العام الماضي برسوم جمركية وصلت إلى 50 في المئة، وهو ما أثّر سلباً على قطاع النسيج في البلاد، كما اتهم حكومة جنوب إفريقيا بارتكاب “إبادة” ضد الأقلية البيضاء، ووجّه انتقادات حادة إلى نيجيريا بسبب ما وصفه بعدم حماية المسيحيين من هجمات الجماعات المسلحة.

ويرى خبراء أنّ الصين تسعى اليوم إلى استعادة جزء من النفوذ الذي فقدته داخل إفريقيا خلال السنوات الأخيرة بسبب تراجع حجم القروض الصينية الموجهة إلى القارة، بعدما واجهت بكين انتقادات مرتبطة بارتفاع ديون بعض الدول الإفريقية وبطء تنفيذ مشاريع أو ضعف جودتها.

وبحسب بيانات باحثين في جامعة بوسطن، بلغت قيمة القروض الصينية الموجهة إلى إفريقيا نحو 181 مليار دولار بين عامي 2000 و2024، استخدمت في تمويل مشاريع موانئ وطرق ومطارات وخطوط سكك حديدية عبر القارة.

لكن مع تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع قدرة بكين على ضخ قروض جديدة بالحجم السابق، يبدو أنّ سياسة الإعفاء الجمركي تمثل محاولة جديدة للحفاظ على النفوذ الاقتصادي الصيني داخل إفريقيا عبر أدوات تجارية بدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل والقروض.

ويعتقد اقتصاديون أنّ نجاح هذه السياسة سيعتمد على قدرة الدول الإفريقية نفسها على تطوير صناعاتها المحلية وإضافة قيمة إلى صادراتها الزراعية والمعدنية، لأنّ استمرار الاقتصادات الإفريقية في تصدير المواد الخام فقط سيجعل الميزان التجاري يميل دائماً لصالح الصين، حتى في ظل الإعفاءات الجمركية الكاملة.

The post إلغاء الرسوم الصينية على الواردات الإفريقية يعيد رسم التوازنات التجارية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress