“إل باييس”: ماجرى في سبتة يشبه “مسيرة خضراء مصغرة” أشعلت أكبر أزمة بين الرباط ومدريد منذ استقبال إبراهيم غالي

قالت صحيفة “إل باييس” الإسبانية، اليوم السبت، إن الأزمة الدبلوماسية التي فجرها التدفق الجماعي لأكثر من 50 ألف مهاجر، غالبيتهم من الشباب المغاربة، نحو مدينة سبتة تعد الأكبر من نوعها بين مدريد والرباط منذ سنوات، بل إنها تفوق بخمس مرات أزمة ماي 2021 التي اندلعت على خلفية استقبال إسبانيا السري لزعيم جبهة “البوليزاريو” إبراهيم غالي للعلاج.

وذكرت الصحيفة في ملف تفصيلي أن هذا التدفق بدأ فجر الخميس عبر السباحة والالتفاف حول السياج الحدودي عند معبر الطرجال، قبل أن يأمر المغرب بوقف “المسيرة” مساء أمس الجمعة، في تراجع كاد يكون كاملا مع عودة نحو 48300 شخص طوعا إلى المغرب، أي ما نسبته 96 بالمائة من الداخلين، بحلول الرابعة عصرا من يوم أمس، بحسب أرقام وزارة الداخلية الإسبانية التي نقلتها الصحيفة.

 

ووصفت الصحيفة الإسبانية ما جرى بأنه “مسيرة خضراء مُصغّرة” وقعت “دون أمر قيادة معروف أو سبب واضح، على الأقل حتى الآن”، مشيرة إلى أن التراخي الأولي الذي أبدته قوات الأمن المغربية ضخّم إلى مستويات مقلقة حجم أزمة “تبدو منظمة انطلاقا من صدى شبكات التواصل الاجتماعي”.

وبحسب المصدر ذاته فإن القوات المغربية أحكمت منذ عصر الخميس إغلاق المنافذ الرئيسية للحدود، لكنها “تساهلت مع عبور عشرات الآلاف عبر الرصيف البحري الفاصل بين سبتة والفنيدق، أولا سباحة ثم غالبا سيرا عبر الشاطئ والصخور الساحلية”، فيما اقتصر دور القوات المساعدة المغربية على تنظيم مسار الحشود “كما يحدث في أي تجمهر آخر في البلد المغاربي”، بينما اكتفت الشرطة والدرك بالمراقبة. ولم تبدأ عمليات التفريق بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه إلا “من ظهيرة الخميس وحتى صباح الجمعة”.

السفيرة المغربية تتحدث عن المافيات 

ونقلت الصحيفة عن السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، وهي الصوت الرسمي الوحيد الذي علّق على الأزمة، تبرئتها لبلادها من التسبب في التدفق، وتحميلها المسؤولية الكاملة لـ”المافيات الإجرامية” التي تتاجر بالبشر، وإشادتها بـ”التعاون المثالي” بين البلدين في التعامل مع الأزمة.

وفي المقابل، وصف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خلال زيارته لسبتة، ما حدث بأنه “انتهاك للسلامة الترابية لإسبانيا”، لكنه، بحسب الصحيفة، تجنب توجيه اللوم للرباط، مفضلا اتهام “المافيات التي تتاجر بالبشر”، ووصف المغرب بأنه “حليف” لإسبانيا، في وقت اتهم فيه مسؤولون في تحالف “سومار” الحاكم، خارج الحكومة، الرباط بتدبير “عملية زعزعة استقرار”.

وكشفت “إل باييس” أن حصيلة الوفيات بلغت 57 قتيلا على الأقل، غالبيتهم غرقا أثناء محاولة الالتفاف سباحة حول الرصيف الحدودي “طرخال”، محذرة من احتمال ارتفاع العدد، وواصفة الحادثة بأنها “من بين الأكثر دموية في تاريخ الحدود الإسبانية الحديث”.

وأشارت إلى أن فرق الغطاسين التابعة للحرس المدني ما تزال تبحث في المياه القريبة من الحدود. كما لفتت الصحيفة إلى أن عدد الداخلين خلال يوم واحد يفوق بكثير حصيلة أزمة ماي 2021 التي شهدت دخول أكثر من 10 آلاف مهاجر، موضحة أن الرقم الحالي يعادل زيادة بنسبة 60 بالمائة تقريبا على عدد سكان سبتة البالغ 83600 نسمة، وأن المدينة سجلت بين فاتح يناير و15 يوليوز الماضيين دخول 2826 شخصا فقط بشكل غير نظامي، أي أن أرقام يوم واحد فاقت حصيلة أكثر من ستة أشهر بأكثر من 20 مرة.

تقرير استخباراتي إسباني 

وأوردت الصحيفة أن مصادر أمنية شبّهت ما جرى بأحداث ماي 2021، حين أعد مركز الاستخبارات الوطني الإسباني تقريرا “سريا” من أربع صفحات ربط بين تلك الموجة وحالة “العلاقات” مع الرباط عقب استقبال غالي، فيما أشار تقرير ثان للمركز نفسه في يونيو 2021 إلى أن الهدف كان “الضغط على الحكومة الإسبانية للحصول على موقف مساند للمغرب في قضية الصحراء الغربية”.

كما نقلت “إل باييس” عن مصادر حكومية إسبانية قولها إنها تعزو الانفجار المهاجر إلى انتشار فكرة، عبر شبكات التواصل، مفادها أن من يصل سباحة إلى سبتة لن يُرحّل تطبيقا لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 8 يوليوز يمنع “الإعادة الفورية على الساخن” لمن يعبر الحدود سباحة، مقرة في الوقت ذاته بأنه “لولا تراخي قوات الأمن المغربية لما كان ممكنا دخول هذا العدد الهائل من الأشخاص”.

وفي سياق متصل، كشفت الصحيفة أن الحكومة الإسبانية اعترفت بأنها فوجئت تماما بالأزمة، ناقلة عن مسؤول رفيع في التنفيذي قوله: “إنه لدليل واضح على أننا لم نكن نملك معلومات. فلو كانت لدينا، ما كان ليدخل 50 ألف شخص بالطريقة التي دخلوا بها خلال 24 ساعة”، فيما اعترف مسؤول آخر بأن “الحدود مع المغرب لم تكن مصدر قلق” خلال أسبوع كانت الأولوية فيه لحرائق الغابات التي اجتاحت وسط وغرب البلاد، مضيفا: “لم يكن أحد يتحدث عن سبتة في تلك الأيام. كان هناك تدفق خفيف وكنا نراقبه، إلى أن انفجر الوضع فجأة من يوم لآخر”.

مطالب بتعديل قانون الهجرة 

وأوضحت الصحيفة أن رئيس سبتة، خوان خيسوس فيفاس، كان قد طالب الأحد الماضي بتعديل قانون الأجانب للسماح بالإعادة الفورية، وأن وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا كان يتوفر على تقارير تشير إلى تصاعد المحاولات من 500 بين 29 يونيو و12 يوليوز إلى 1300 بين 13 و26 من الشهر نفسه، دون أن يُترجم ذلك إلى استنفار حقيقي.

وأفردت “إل باييس” مساحة واسعة لتفاعل القوى الدولية مع الأزمة، إذ أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعليق اتفاقية “شنغن” مع إسبانيا بخصوص غير الأوروبيين، قبل أن توضح مصادر حكومية إيطالية أن القيود ستطال فقط من ليسوا مواطنين أوروبيين.

كما نقلت عن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين قولها إن “الصور الواردة من سبتة غير مقبولة”، مضيفة: “لا يمكننا السماح لأي كان بالدخول إلى اتحادنا دون احترام قواعدنا”، وأن شبكات التهريب “يجب تفكيكها” وأن عمليات الإعادة “يجب أن تكون سريعة”.

وفي المقابل، أعرب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن “تضامنه” مع إسبانيا، فيما وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتقديم “كل الدعم اللازم” ودعا وزير داخليته لوران نونيز إلى اتخاذ “كل التدابير الضرورية” لتعزيز مراقبة الحدود، بينما رحّب المستشار الألماني فريدريش ميرتس بـ”نية إسبانيا عدم السماح للمهاجرين غير الشرعيين بدخول القارة الأوروبية”.

بن غفير يسخر من سانشيز

وأبرزت الصحيفة أيضا استغلال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأزمة في حملته الداخلية قبيل انتخابات التجديد النصفي، إذ صرح لقناة “فوكس نيوز” بأن ما وقع في إسبانيا “أمر مروع”، مضيفا: “تذكروا هذه الصورة. هذا ما سنكون عليه نحن خلال ثلاث سنوات إذا وصل الجانب الخاطئ إلى السلطة… إذا وصل الديمقراطيون إلى الحكم فلن تعيشوا حياة طيبة”.

كما نقلت الصحيفة عن وزارة الخارجية الأمريكية انتقادها لسياسات سانشيز المهاجرة، معتبرة أن “هذا الحادث غير المقبول نتيجة مباشرة لجهود متعمدة من الحكومة الإسبانية لتسهيل وتشجيع الهجرة غير الشرعية الجماعية نحو أوروبا”، مع تعبيرها في الوقت نفسه عن وقوف واشنطن “إلى جانب الشعب الإسباني وجميع الأوروبيين في مواجهة هذا التهديد”.

وأشارت الصحيفة كذلك إلى تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الساخرة التي دعا فيها سانشيز إلى “فتح أبواب إسبانيا ومنح اللجوء لسكان غزة الراغبين في الهجرة”، في سياق التوتر بين مدريد وتل أبيب على خلفية مواقف سانشيز الناقدة للحرب على غزة.

وعلى المستوى السياسي الداخلي، وثقت الصحيفة كيف استغل حزب “فوكس” اليميني المتطرف الأزمة لتصعيد ضغطه على الحكومة، حيث دعا الأمين العام للحزب في البرلمان خوسيه ماريا فيغاريدو إلى “عسكرة الحدود” و”إعادة كل من دخل بشكل غير نظامي على الفور دون تردد ولا تفكير”، مضيفا: “يجب ألا يهم ما تقوله المحكمة الدستورية أو المحكمة العليا. نحن نتحدث عن أمن الإسبان وسلامة إسبانيا”، فيما كان زعيم الحزب سانتياغو أباسكال أكثر حدة بقوله: “يجب طردهم الآن! جميعهم! بكل الوسائل الممكنة. وإذا لم تفعل الحكومة ذلك، فسيفعله الإسبان وحدهم”.

وإلى جانب البعد السياسي والدبلوماسي، نقلت “إل باييس” شهادات إنسانية مؤثرة من قلب سبتة التي وصفتها بأنها “مدينة فوضوية ذات طابع نهاية العالم”، حيث لا محل تجاري مفتوح ومئات الشبان حفاة الأقدام يتجولون في الشوارع، وحيث أُلغي مهرجان صيفي وتراكمت أكوام النفايات.

ونقلت عن أحمد، فتى مغربي يبلغ 15 عاما من منطقة تطوان، وهو يبكي: “نمت أمام باب مركز القاصرين. أنا جائع جدا”، فيما روت الصحيفة قصة ملاك، فتاة تبلغ 14 عاما مصابة في كاحلها، قالت وهي منهارة: “تسلقنا الجبل هربا وتدحرجنا. الجنود يطردوننا”، وقصة امرأة عائدة مع زوجها وطفلتهما ذات الثلاث سنوات، قالت: “نعود لأنه لا طعام، لدينا مال لكنهم لا يبيعوننا، لا حليب للطفلة، كل شيء مغلق. وقد أشهروا في وجهنا السكاكين ورشقونا بالحجارة. كنا نريد فقط مستقبلا لابنتنا”.

اقرأ المقال كاملاً على لكم