إطلاق مسار العدالة الانتقالية في سوريا… ماذا تكشف المحاكمات الأولى؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

شهد القصر العدلي في دمشق، الأحد، انطلاق أولى المحاكمات ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، بالتزامن مع حدثين بارزين تمثّلا بعودة عصام بويضاني، وتوقيف أمجد يوسف. وتكشف هذه المحاكمات الأولى ملامح إطار قانوني ومؤسساتي لا يزال قيد التشكل، وسط تساؤلات حيال مدى اكتماله وقدرته على مواكبة تعقيدات هذا الملف في مرحلة دقيقة من مسار المحاسبة.

وفي خطوة حملت بعداً رمزياً، اختارت وزارة العدل أن تبدأ بمحاكمة عاطف نجيب، الذي كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، وتتهمه جهات حقوقية بالمسؤولية عن انتهاكات ساهمت في اندلاع الاحتجاجات في المحافظة في آذار/مارس 2011. وتشمل الدعوى أيضاً محاكمة كل من بشار الأسد وشقيقه ماهر، وقصي مهيوب ووفيق ناصر غيابياً. وحضر نجيب وحده الجلسة الأولى، فيما غاب الآخرون، ليتقرر تأجيل المحاكمة إلى العاشر من أيار/مايو المقبل.

ووسط عدم وضوح الأرضية القانونية للمحاكمات، تصدرت وزارة العدل مشهد التحضير، من الاجتماعات المشتركة مع وزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في 19 نيسان/أبريل، إلى تجهيز قاعة محكمة الجنايات الرابعة، والإعلان عن موعد بدء المحاكمات. وكان وزير العدل قد افتتح الغرفة قبل أيام، وأسند رئاستها إلى القاضي المنشق فخر الدين العريان، المعروف بخبرته في قضايا العدالة الانتقالية.

في المقابل، بدت هيئة العدالة الانتقالية أقلّ حضوراً، رغم أن مرسوم تشكيلها منحها الاستقلال المالي والإداري، وكلّفها كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة للنظام السابق، ما أثار تساؤلات حيال علاقتها بوزارات ومؤسسات الدولة.

 

إشكالية الإطار القانوني


يؤكد المحامي ميشال الشماس، في حديث مع "النهار"، الإشكالية القانونية في الإعلان عن انطلاق المسار. فالمشكلة، في رأيه، "لا تتعلق بمبدأ المحاسبة، وإنما بعدم اكتمال الإطار التشريعي والمؤسساتي اللازم" للعدالة الانتقالية.

فالإعلان الدستوري نصّ على إنشاء المحاكم بقانون، بينما يتيح قانون السلطة القضائية إنشاء غرف جنايات ضمن القضاء العادي بقرار من مجلس القضاء الأعلى، الأمر الذي يفسّر إنشاء غرفة جنايات رابعة في ظلّ غياب مجلس تشريعي.

لكن الشماس يرى أن غرفة جنايات تخضع لقانون العقوبات السوري التقليدي لا تتحول إلى "محكمة عدالة انتقالية" بمجرد إعلان وزير، لأن العدالة الانتقالية" تحتاج إلى نظام قانوني كامل يحدّد الجرائم والاختصاصات والضمانات وآليات حماية الضحايا والشهود".

وعلى مستوى الجلسة الأولى، يسجّل المحامي السوري ملاحظة إجرائية على أداء رئيس المحكمة، إذ يقول إن "القاضي أعلن ختام الجلسة بعد تسطير مذكّرات التبليغ وتأجيل المحاكمة، ثمّ عاد إلى مناقشة مسائل تتعلّق بالشهود وتوكيل محامين مسخّرين"، معتبراً أن ذلك "قد يفتح باباً للطعن في سلامة الإجراءات".

ويضيف الشماس أن "مشروع قانون العدالة الانتقالية، الذي قيل إن الهيئة أعدّته وستطرحه في أول جلسة لمجلس الشعب، لم يدخل نقاشاً عاماً، ولم يُعرض على الضحايا أو منظمات المجتمع المدني". لذلك لا يكفي - بحسبه - نشاط الهيئة للقول إن مساراً قانونياً مكتملاً بدأ فعلاً.

 

الهيئة القضائية وجانب من الحضور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب في دمشق. (أ ف ب)

 

 

 

 

بين القانون الدولي والقانون المحلي


 

ومع ذلك، يلفت الشماس إلى أن القضاء السوري يستطيع من حيث المبدأ النظر في الجرائم الدولية حتى في غياب نص وطنيّ صريح، بالاستناد إلى القانون الدولي العرفيّ، كما فعلت محاكم دولية في رواندا ويوغوسلافيا السابقة.

لكن غياب تعريف وطني للجرائم ضد الإنسانية ومسؤولية القيادة والطابع المنهجيّ سيجبر المحكمة على استيراد هذه التعريفات من القانون الدولي، مع بقائها ملزمة بعقوبات قانون العقوبات السوري، ما يفتح "فجوة بين حجم الجريمة وحجم العقوبة".

وينصّ مرسوم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على حصر اختصاصها بالانتهاكات الجسيمة، التي ارتكبها أزلام النظام السابق حصراً، من دون أن يورد تعريفاً جامعاً للجرائم والأفعال الداخلة تحت هذا المصطلح.

ووجهت "النهار" أسئلة إلى الهيئة عبر صفحتها على "فايسبوك"، لعدم وجود بريد إلكترونيّ أو أرقام هاتف للتواصل معها، لكنها لم تتلق رداً.

 

عناصر أمن وحضور يتجمعون في القصر العدلي في دمشق. (أ ف ب)

 

مفارقة المسار بين المحاسبة والسياسة

 

ومن زاوية مغايرة، قدّم القاضي عبد الرزاق الحسين، وزير العدل السابق في الحكومة السورية الموقتة، قراءة من داخل المسار القضائي، قائلاً إن "التحقيقات بدأت قبل نحو تسعة أشهر، حين كانت هيئة العدالة الانتقالية لا تزال في طور التأسيس".

ووفق ما كتبه الحسين على صفحته في "فايسبوك"، فإن ملف عاطف نجيب اكتمل "بشكل معقول"، وأصدر قاضي الإحالة قراراً من ستين صفحة يتضمن اتهامات بالقتل العمد والتعذيب والتعذيب حتى الموت، مع تصنيف بعض الأفعال كجرائم ضد الإنسانية استناداً إلى تعريفات القانون الدولي ونظام روما، ثم إخضاعها للعقوبات المنصوص عليها في القانون السوري.

وتشير قراءة الحسين إلى محاولة قضائية لملء الفراغ التشريعي، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن صدور قانون خاص بالعدالة الانتقالية لا يزال شرطاً ضرورياً لضبط المسار وتعريف الجرائم الدولية وعقوباتها بصورة صريحة.

ورافقت انطلاق المسار مفارقة سياسية وأمنية ثقيلة، تمثلت بعودة عصام بويضاني إلى دوما بعد الإفراج عنه في الإمارات، وتوقيف أمجد يوسف، المتهم الأبرز في مجزرة التضامن. لم يكن التزامن عادياً، فالأول عاد إلى معقله السابق في مشهد سياسي ذي طابع احتفالي غابت عنه الأسئلة الصعبة عن ماضي فصيله، بينما قُدّم الثاني بوصفه عنواناً لبداية المحاسبة.

وبين المشهدين، بدا سؤال العدالة الانتقالية أبعد من أولى الجلسات: كيف يمكن لمسار ناشئ أن يقنع بجدية معاييره إذا كان بعض الماضي يُعاد إدماجه سياسياً، فيما يتحول بعضه الآخر إلى مناسبة لتوسيع الإدانة من الجاني إلى بيئته؟

وفتح نشر وزارة الداخلية، عشية انطلاق المحاكمة، مقطعاً من اعترافات أمجد يوسف، قال فيه إنه لم يتلقَّ أوامر من رتب أعلى لارتكاب المجزرة، باب الجدل بشأن احتمال تحويل الاعتراف إلى سردية تحصر المسؤولية في المنفذ المباشر، وتغلق الطريق أمام مساءلة متهمين أرفع رتبة.

وتعقيباً على ذلك، يقول الشماس لـ"النهار" إن "استسهال التحقيق في قضية معقدة حوّلها إلى سردية جاهزة تغلق الباب أمام الأسئلة الكبرى"، محذراً من تكرار أساليب النظام السابق الذي ارتكب هذه المجازر.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية