إصلاح هام للشّعب في الثانوي تأسيسا للتخصص التدريجي

إن ما أفرزته الندوة الوطنية لوزارة التربية الوطنية المنعقدة مؤخرا، فيما يتعلق بإصلاح التعليم الثانوي لا يمكن اعتباره مجرد تعديل تنظيمي أو مراجعة بيداغوجية محدودة، بل يعد تحولا هيكليا في فلسفة بناء هذا الطور.
وعليه، فقد تقرر إدراج تعديلات جادة، من أبرزها التغيير في تسمية بعض الشّعب، فضلا عن استحداث شعبة جديدة، وهي “المعلوماتية”، استجابة لحاجة وطنية ملحة تتمثل في إعداد كفاءات قادرة على مواكبة الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني مستقبلا.
وفي التفاصيل، أبرزت مصادر “الشروق”، أنه تقرر إعادة تنظيم التعليم الثانوي وفق نظام الشّعب، حيث ستعرف شعبة “تقني رياضي” تغييرا في التسمية لتصبح “شعبة الهندسة”، ثم تتفرع منها أربعة تخصصات وهي (هندسة مدنية، كهربائية، ميكانيكية، وهندسة الطرائق)، ما يسمح للتلميذ وحتى الولي بمعرفة التمييز بينها وبين شعبة الرياضيات.
بالإضافة إلى ذلك، فقد جرى الاتفاق على استحداث “شعبة المعلوماتية”، ابتداء من الموسم الدراسي 2027-2028، الأمر الذي سيؤسّس لمرحلة جديدة تنتقل فيها المدرسة الجزائرية من منطق التكوين العام إلى منطق التخصص التدريجي، بما ينسجم مع التحولات الرقمية والاقتصادية والعلمية التي يشهدها العالم.
وتأتي هذه القرارات الجديد في إطار مواصلة تنفيذ الإصلاحات التربوية، والتي بدأت ثمارها تظهر على أرض الواقع، وكذا استجابة لحاجة وطنية ملحة تتمثل في إعداد كفاءات قادرة على مواكبة الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وتحليل البيانات والبرمجة، وهي مجالات أصبحت اليوم من أهم محركات التنمية المستدامة والتنافسية الاقتصادية، تشرح مصادرنا.
أما بالنسبة لقرار إلغاء نظام “الجذع المشترك” في السنة الأولى ثانوي، فقد أوضحت ذات المصادر أنه رغم أهمية الإجراء مبدئيا، لكن لا بد من مراعاة اعتبارات متعددة، من أبرزها معايير التوجيه الجديدة.
بن عومر: نجاح الإصلاح التربوي مرهون بجملة شروط موضوعية
وفي الموضوع، نبّه عومر بن عودة، الخبير التربوي في تصريح لـ”الشروق”، من أن نجاح هذا الإصلاح التربوي يبقى رهين توفير جملة من الشروط الموضوعية، لأن العمليات الكبرى لا تُقاس بجودة القرارات فحسب، وإنما بقدرة المنظومة على تجسيدها ميدانيا وفق رؤية متكاملة، تتقاسم مسؤوليتها مختلف القطاعات والمؤسسات، ويشارك في بنائها خبراء ومختصون في المجال.
وفي مقدمة هذه المتطلبات، اقترح الخبير التربوي ضرورة إعداد مناهج دراسية حديثة، تعتمد على المقاربة بالكفاءات، وتوازن بين المعارف النظرية والتطبيقية، علاوة على إدماج البرمجة في “الروبوتيك” والذكاء الاصطناعي، مع أهمية أخلقة استخدام التكنولوجيا وإدراجها ضمن مسارات تعليمية متدرجة تراعي الخصائص العمرية والمعرفية للمتعلمين.
ومن هذا المنطلق، دعا محدثنا إلى ضرورة مراجعة منظومة التكوين الأولي والمستمر للأساتذة، من خلال فتح تخصصات جامعية جديدة لإعداد أساتذة شعبة المعلوماتية، بالإضافة إلى تنظيم برامج تكوين وتأهيل لفائدة الأساتذة الحاليين، بما يضمن امتلاكهم للكفاءات والمؤهلات الرسمية والبيداغوجية اللازمة لتدريس التخصص، وفق أحدث الممارسات التعليمية، وقبل هذا كله توفير التأطير البيداغوجي الكافي، وذلك لأجل إنجاح الإصلاح التربوي.

استحداث “بنية رقمية” بالثانويات لتجويد البيئة التعليمية
وفي نفس السياق، اقترح عومر بن عودة على القائمين على الوزارة، توفير بنية تحتية رقمية متكاملة داخل الثانويات، تشمل مخابر إعلام آلي حديثة وتجهيزات معلوماتية متطورة، وربط عالي التدفق بشبكة الإنترنت، ومنصات تعليمية رقمية، ووسائل عرض تفاعلية، لأن جودة التعليم الرقمي ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة البيئة التعليمية.
ومن ثمّ، فإن هذا التحول سيفرض أيضا إعادة النظر في توزيع الموارد البشرية والمالية، من خلال استحداث مناصب مالية جديدة لفائدة أساتذة الإعلام الآلي، والمهندسين، والتقنيين وأعوان صيانة التجهيزات، إلى جانب وضع مخطط وطني لتجهيز المؤسسات التربوية وفق معايير موحدة، مع مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف ولايات الوطن، يضيف بن عودة.
وفي المقابل، شدد محدثنا على أن الإصلاح لا بد أن يتزامن مع مراجعة منظومة “التوجيه المدرسي”، حتى يصبح توجيه التلاميذ نحو الشّعب المختلفة مبني على الميول والقدرات والكفاءات الحقيقية، وليس على معدلات النجاح فقط، بما يحقق الانسجام بين مشروع المتعلم الشخصي واحتياجات التنمية الوطنية.
فضلا عن تعزيز الشراكة بين وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الاقتصادية، قصد ضمان استمرارية المسار التكويني، وربط التعليم الثانوي بالتكوين الجامعي والاحتياجات المستقبلية لسوق العمل.
وأشار الخبير التربوي، في الختام، إلى أن إصلاح التعليم الثانوي يمثل استثمارا استراتيجيا في رأس المال البشري، ويعكس إرادة الدولة في بناء مدرسة عصرية، قادرة على تخريج أجيال تمتلك الكفاءة العلمية والرقمية والابتكارية، بما يعزز مكانة الجزائر في اقتصاد المعرفة، ويجعل من المدرسة رافعة حقيقية للتنمية الوطنية المستدامة.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post إصلاح هام للشّعب في الثانوي تأسيسا للتخصص التدريجي appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk