إشكاليات سيادية في الاتفاق الإطاري

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عبدالله ناصرالدين

 

 

يشكل أي اتفاق يُبرم بين لبنان وإسرائيل حدثاً استثنائياً، ليس بسبب حالة العداء التاريخية بين الدولتين فحسب، بل لما يترتب عليه من آثار دستورية وسيادية وقانونية تمس حاضر الدولة اللبنانية ومستقبلها. وانطلاقاً من النص المعروض للاتفاق الإطاري والملحق الأمني "المُسَرّب"، تبرز مجموعة من الإشكاليات الجوهرية التي تستدعي نقاشاً وطنياً وقانونياً عميقاً قبل الانتقال إلى أي التزام نهائي.

أولى الملاحظات تتعلق بالشق الدستوري. فالدستور اللبناني يمنح السلطة التنفيذية صلاحية التفاوض على المعاهدات، إلا أن الاتفاقات التي تمس سيادة الدولة أو حدودها أو الأمن الوطني أو تنطوي على التزامات طويلة الأمد تستوجب المرور بالإجراءات الدستورية الكاملة، ولا سيما منها موافقة مجلس الوزراء "بجميع مكوّناته"  وإقرار مجلس النواب وفقاً لأحكام المادة 52 من الدستور، وبالتالي فإن أي اتفاق يتجاوز هذه الأصول يثير إشكالية دستورية تتعلق بشرعية نفاذه، وبالتالي يمكن المرور بمسارات دستورية لرده او التعديل عليه ليتماشى بشكل أكبر النصوص الدستورية الواضحة.
أما من الناحية السيادية، فإن الاتفاق يربط بصورة مباشرة مستخدماً عبارة" إعادة انتشار" القوات الإسرائيلية "المعادية" بتحقق نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة وفق آليات تحقق دولية وشروط محددة مسبقاً. وهنا تنتقل الأولوية من إنهاء الاحتلال بصورة غير مشروطة إلى جعل الانسحاب الإسرائيلي نتيجة مرتبطة بتنفيذ التزامات لبنانية داخلية، بما يمنح كيان الإحتلال عملياً قدرة غير مباشرة على تعطيل الانسحاب متى اعتبر أن شروط التحقق لم تستوفَ، وهذا يتناقض مع نص المادة 52 من ميثاق الإمم المتحدة.
ويزداد هذا الإشكال خطورة في الملحق الأمني الذي ينص على إنشاء مجموعة تنسيق عسكرية دائمة تعمل على مدار الساعة بين لبنان وإسرائيل، عبر قنوات عسكرية غير مباشرة، لإدارة التنفيذ والتحقق وتسوية الإشكالات. ويثير هذا النص تساؤلات سيادية حول حدود الدور الذي ستؤديه هذه الآلية، ومدى تحولها إلى هيئة رقابة دائمة على القرار الأمني اللبناني، بما قد يقيد حرية المؤسسات العسكرية اللبنانية في ممارسة صلاحياتها المستقلة.
كما أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة دوراً مركزياً في الإشراف والتحقق والوساطة، ويربط جزءاً كبيراً من المساعدات المالية وإعادة الإعمار بتنفيذ مراحل تقاس وفق معايير يحددها الجانب الأميركي. وهذا يطرح إشكالية قانونية تتعلق بإخضاع حقوق اللبنانيين في إعادة الإعمار لشروط سياسية وأمنية خارجية، بما قد يمس مبدأ السيادة الوطنية واستقلال القرار اللبناني.

ومن أبرز الثغرات أيضاً غياب أي التزام إسرائيلي واضح بوقف الخروق الجوية والبحرية والبرية أو تقديم ضمانات قانونية بعدم تكرار الاعتداءات مستقبلاً. فالوثيقة تتحدث عن حق الطرفين في الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة (في الوقت الذي لا يمتلك الجيش اللبناني امكانات لذلك)، من دون وضع تعريف واضح للحالات التي تتيح استخدام القوة، الأمر الذي قد يفسح المجال أمام تفسيرات إسرائيلية واسعة لتبرير عمليات عسكرية مستقبلية داخل الأراضي اللبنانية.
كذلك يلاحظ أن الاتفاق يتضمن التزاماً لبنانياً واضحاً بمنع تمويل ما سُميت في الورقة "الجماعات المسلحة" وملاحقتها، بينما لا يتضمن التزاماً مقابلاً يلزم إسرائيل تعويض الأضرار الناتجة من الحروب المُجرمة والاعتداءات السابقة، ولا يشير إلى مسؤوليتها القانونية عن الدمار الواسع الذي لحق بالبنى التحتية اللبنانية أو بحقوق الضحايا المدنيين، وهو ما يخل بمبدأ التوازن في الالتزامات بين الطرفين.

ومن الناحية السياسية، يستخدم الاتفاق عبارات من قبيل "إنهاء النزاع نهائياً" و"إقامة علاقات جوار سلمية" و"إعداد اتفاق شامل للسلام والأمن"، وهي تعابير تتجاوز إطار الترتيبات الأمنية الموقتة لتفتح الباب أمام مسار سياسي طويل قد يفضي إلى تطبيع العلاقات، الأمر الذي يستوجب نقاشاً وطنياً شاملاً نظراً لحساسية هذا الخيار وانعكاساته على موقع لبنان العربي والتزاماته التاريخية، ويطرح سؤال: هل قرر لبنان فعلاً الخروح من الإطار العربي لمعالجة الصراع الذي تقرر في قمة بيروت عام 2002؟
كما يثير الملحق الأمني إشكالية إضافية تتمثل في إمكان تعديله باتفاق الأطراف الثلاثة من دون النص على آلية رقابة دستورية لبنانية واضحة، الأمر الذي قد يسمح بإدخال تعديلات جوهرية على الالتزامات الأمنية بعيداً من الرقابة البرلمانية المطلوبة.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن الاتفاق يتضمن نقاطاً إيجابية، أبرزها تأكيد سيادة الدولة اللبنانية، وحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، مع العلم انه كان يجب ان يلحق هذا البند بنص ميثاق اللمم المتحدة في هذا الإطار بأنه يحق للشعوب أن تدافع عن نفسها، والسعي إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة ودعم الجيش اللبناني الذي لم يتحدد بأي شيء أكثر مما كان يتم تقديمه في السابق، وبالتالي عدم وجود قدرة الردع الحقيقية عند جيش وطني يمتلك جميع الامكانات المعنوية للدفاع عن شعبه. إلا أن هذه المبادئ تبقى مرتبطة بشروط تنفيذية وآليات تحقق خارجية تقلل من قيمتها القانونية إذا لم تقترن بضمانات متبادلة ومتوازنة.
إن أي اتفاق يتعلق بأمن لبنان وسيادته يجب أن يقوم على مبدأ التكافؤ في الالتزامات، والاحترام الكامل للدستور، والانسحاب غير المشروط من الأراضي اللبنانية، ووقف جميع الاعتداءات والخروق، وضمان عدم تحويل المساعدات أو إعادة الإعمار إلى أدوات ضغط سياسية. فحماية السيادة الوطنية لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بتوازن الالتزامات وصون القرار الوطني المستقل، بما يحفظ مصالح لبنان العليا ويصون وحدة شعبه واستقلال دولته.

    
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية