"إسرائيل وأميركا والعرب": كيف استشرف شارل مالك مستقبل الشرق الأوسط قبل أكثر من نصف قرن؟
عندما كتب المفكر والديبلوماسي اللبناني شارل مالك في آب 1949 "إسرائيل وأميركا والعرب"، لم يكن الشرق الأوسط قد عرف بعد معظم الأحداث العاصفة التي ستشكّل تاريخه الحديث. لم تكن قد وقعت حرب 1967، ولا حرب 1973، ولا اتفاق كامب ديفيد، ولا الثورة الإيرانية، ولا اتفاقات أوسلو، وصولاً إلى موجات التطبيع العربية- الإسرائيلية الراهنة. ومع ذلك، فإنّ القراءة المعاصرة لكتابه "إسرائيل وأميركا والعرب: تنبؤات من نصف قرن" تكشف مدى قدرة صاحبه الفذة على استشراف التحوّلات الكبرى التي طبعت المنطقة لعقود طويلة.
الكتاب ليس دراسة أكاديمية بالمعنى التقليدي، بل وثيقة سياسية صيغت بيد ديبلوماسي محنّك ومراقب دقيق للسياسة الدولية، في مرحلة كانت تشهد ولادة نظامٍ عالمي جديد عقب الحرب العالمية الثانية. وقد اكتسبت هذه الوثيقة أهمية إضافية متجددة عندما أُعيد نشرها عام 2002 عن "دار النهار"، بتقديم خاص من الصحافي والمفكر الراحل غسان تويني. ورأى تويني في النص دليلاً على عبقرية شارل مالك في قراءة التحولات الدولية؛ إذ اعتبر أن كثيراً من الأفكار والتحذيرات التي وردت فيه بدت كأنها كُتبت لعصرنا الحالي، ما دفعه إلى إحيائها وتقديمها الى جيل جديد من القرّاء والباحثين.
شارل مالك: المفكر الذي قرأ ما وراء الأحداث
يصعب فهم عمق الكتاب من دون التوقف عند شخصية مؤلفه؛ فمالك لم يكن مجرد سياسي أو ديبلوماسي عابر، بل كان فيلسوفاً، وأستاذاً جامعياً، وأحد أبرز المساهمين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. هذه الخلفية الفلسفية الشاملة منحته راداراً فكرياً لقراءة التحولات التاريخية من منظور أوسع من الحسابات السياسية اليومية الضيقة.
وفي عام 1949، بينما كانت الأنظار العربية شاخصة نحو تداعيات نكبة فلسطين ونتائج الحرب الأولى، تجاوز مالك الحدث المباشر ليتساءل عن شكل النظام الإقليمي الجديد الذي سيتكوّن في المنطقة، وموقع الولايات المتحدة الصاعدة فيه.
فهم مبكر للتحالف الأميركي - الإسرائيلي
أبرز ما يلفت في الوثيقة هو إدراك مالك المبكر طبيعة العلاقة العضوية التي ستنشأ بين واشنطن وتل أبيب. ففي وقت كان فيه كثيرون يرون في الاعتراف الأميركي بإسرائيل خطوة سياسية ظرفية أو تكتيكية، جزم مالك بأنّ هذا الارتباط مرشح للتحول إلى تحالف استراتيجي عضوي بعيد المدى.
اليوم، يبدو هذا التقدير شديد الدقة؛ فقد أضحى التحالف الأميركي- الإسرائيلي و من أكثر العلاقات ثباتاً في السياسة الدولية، وتحوّل الدعم المطلق لإسرائيل إلى ثابث بنيوي في الاستراتيجية الشرق أوسطية لواشنطن، بمعزل عن تبدّل الإدارات والأحزاب الحاكمة في البيت الأبيض. لم يتعامل مالك مع إسرائيل ككيان طارئ، بل كعامل دائم في المعادلة الإقليمية، ومن هنا نبع تحذيره للعرب بضرورة بناء استراتيجيات ومؤسسات بعيدة المدى بدلاً من الرهان على المتغيرات العابرة.
القضية الفلسطينية: صراع بنيوي ممتد
في زمن كتابة الوثيقة، اعتقد كثيرون أن تداعيات حرب 1948 ستُسوّى خلال سنوات قليلة عبر حلول موقتة. لكن مالك تنبّه مبكراً إلى أنّ القضية الفلسطينية ستتحوّل إلى جوهر الصراع في الشرق الأوسط، وأنّ شظاياها السياسية والإنسانية ستستمر لعقود. وبقيت القضية، كما توقع، المحور والمحدد الرئيسي للسياسات الإقليمية، والمعيار الأساسي لفهم التحالفات والنزاعات التي شهدتها المنطقة.
صعود أميركا وأفول النفوذ البريطاني
رصد شارل مالك بدقة المرحلة الانتقالية التي شهدت تراجع الإمبراطورية البريطانية "التي لا تغيب عنها الشمس" وصعود الولايات المتحدة كقوة عالمية أولى، وأدرك أن الشرق الأوسط سيتحول إلى الساحة الرئيسية للنفوذ الأميركي الجديد.
في ذلك الوقت، لم يكن هذا الاستنتاج بديهياً لكثيرين، إلا أنّ العقود اللاحقة أثبتت أن واشنطن أصبحت اللاعب الخارجي الأقوى في المنطقة عبر بوابة الأمن، والنفط، والتحالفات العسكرية. لقد فهم مالك أن الصراع العربي- الإسرائيلي لا يمكن عزله عن موازين القوى الدولية، وأنّ مصير المنطقة سيرتبط مباشرة بالاستراتيجية الأميركية الكونية.
نقد مبكر للواقع العربي
لا يكتفي الكتاب بتشريح سياسات الآخرين، بل يوجّه مبضع النقد للداخل العربي. فقد رأى مالك أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في مكامن قوة الخصوم فحسب، بل أيضاً في العجز العربي عن صوغ رؤية قرع بها ناقوس الخطر، هي أن الانقسامات العربية البينية ستجهض أي مواجهة ديبلوماسية أو سياسية مع المشاريع المحيطة. وبعد مرور عقود، تبدو هذه الملاحظة الفكرة الأكثر راهنية وصدمة في آن واحد.
لماذا لا يزال الكتاب مهماً اليوم؟
تكمن القيمة الحقيقية للكتاب في أنه يُقرأ اليوم كمنهج في التفكير الاستراتيجي وليس ككتاب "تنبؤات"؛ فمالك لم يكن يضرب في الغيب، بل كان يفكك الاتجاهات العميقة التي تتشكل أمامه ويقيس مآلاتها.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتطغى عليه التحليلات السطحية والآنية، يذكّرنا كتاب شارل مالك بأن الاستشراف الحقيقي لا يقوم على رصد الوقائع اليومية المنفصلة، بل على فهم المسارات التاريخية الكبرى التي تحرّك العالم. ومن هذه الزاوية تحديداً، يظل شارل مالك واحداً من القلائل الذين قرأوا المستقبل قبل أن يصبح واقعاً مأزوماً.