إسرائيل تصعّد متجاوزة "الخطّ الأصفر"… كيف يقرأ إعلامها مشهد جنوب لبنان؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ عمليات مكثفة في جنوب لبنان، تجاوزت ما يسميه "الخط الأصفر"، في تصعيد يطرح أسئلة مفتوحة حيال الأهداف والمدة والنتائج. لكن وفق ما تعكسه وسائل الإعلام الإسرائيلية، لا يبدو أن هذا التصعيد يسير ضمن خطة واضحة أو يقود إلى حسم، بل يكشف فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

ففي وقت يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "هجوم قوي"، تشير التقديرات إلى أن هذا الهجوم لا يزال غير محدد زمنياً أو جغرافياً، وسط قيود أميركية تمنع استهداف بيروت ومحيطها، وقرار بتمديد وقف إطلاق النار رغم ما تصفه إسرائيل بـ"الهجمات اليومية" من جانب "حزب الله". هذا التناقض بين التصعيد المعلن والقيود المفروضة يضع المشهد في منطقة رمادية، حيث لا حرب شاملة ولا تهدئة مستقرة.

وفي موازاة ذلك، تكشف بعض المنصات الإسرائيلية عن مقاربة مختلفة لما يجري على الأرض. فقد اعتبر موقع "واللاه نيوز" أن عودة النازحين اللبنانيين إلى قراهم "ليست حقاً إنسانياً"، بل "ورقة ضغط" و"تكتيك عسكري"، معتبراً أنها "تعرقل نشاط الجيش الإسرائيلي". هذا الخطاب يعكس توجهاً لتأطير الواقع الإنساني ضمن حسابات أمنية، ويفتح الباب أمام قراءة أوسع لهدف غير معلن يتمثل في إفراغ الجنوب من سكانه وتحويله إلى منطقة عازلة.

 

تقديرات إسرائيلية تُقلّص سقف التوقعات

 

تتفق تقديرات خبراء ومحللين إسرائيليين على أن الضربات الحالية قد لا تحقق الردع. فـ"حزب الله"، وفق هذه التقديرات، يُظهر قدرة على الصمود وإصراراً أعلى مما كان مقدّراً قبل الحرب، ما يعقّد أي محاولة إسرائيلية لفرض معادلة جديدة على الأرض.

ونقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن الكابينيت الأمني والسياسي لم يوعز للجيش بالقضاء على القوة العسكرية لـ"حزب الله"، خلافاً لما يتم تداوله إعلامياً، مؤكداً أن أي خطة من هذا النوع "غير واقعية" بسبب الحاجة إلى زيادة كبيرة في عديد الجيش الإسرائيلي.

وأضاف المسؤول أن "لا حلّ عسكرياً يمكنه منع قصف حزب الله لإسرائيل"، ما يضع علامات استفهام بشأن جدوى أي تصعيد جديد، ويعكس إدراكاً داخلياً لحدود القوة العسكرية في هذه المواجهة.

 

فجوة بين الخطاب والواقع… وواشنطن تمسك الإيقاع

 

المحلل العسكري في "إسرائيل اليوم" يؤآف ليمور قدّم قراءة أكثر وضوحاً للفجوة القائمة، مشيراً إلى أن الأسابيع الأخيرة أثبتت وجود فرق كبير بين التصريحات عن "هجوم قوي" وما يحدث فعلياً على الأرض.

وكتب ليمور أن "طبيعة هذا الهجوم لا تزال غير واضحة: كم سيستمر، ما هي أهدافه، وأين سينفّذ تحديداً داخل لبنان؟". هذه الضبابية، بحسب قراءته، ليست تفصيلاً، بل تعكس "غياب رؤية حاسمة".

وفي السياق نفسه، أشار إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "فرضت قيوداً مباشرة على إسرائيل، بدءاً من منع استهداف بيروت، وصولاً إلى الدفع نحو وقف إطلاق النار وتمديده"، حتى في ظل اتهامات إسرائيلية لـ"حزب الله" بانتهاكه عبر صواريخ وطائرات مسيّرة يومياً.

ووصف ليمور هذا الواقع بأنه "غير مقبول"، معتبراً أنه نتيجة ضغط أميركي مباشر على القرار الأمني الإسرائيلي، إضافة إلى قرار تل أبيب الدخول في مفاوضات مع الحكومة اللبنانية "تحت ضغط شديد".

وبرأيه، فإن "حزب الله" يدرك هذا الضغط ويستغله، ما يضع إسرائيل في موقع معقّد، فهي تصعّد عسكرياً، لكنها مقيّدة سياسياً، ما يضعف قدرتها على تحقيق ردع فعلي.

 

جنود إسرائيليون خلال دورية في مركبة عسكرية عند الحدود مع جنوب لبنان. (أ ف ب)

 

 

مأزق القيادة… انتقادات داخلية وصمت رسمي

 

في قراءة موازية، اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "معاريف" آفي أشكنازي أن القيادة السياسية الإسرائيلية "تبدو مشلولة" في إدارة القتال على الجبهات المختلفة، من لبنان إلى غزة وإيران.

وأشار إلى أن من يحدد مسار الأحداث عملياً ليس فقط إسرائيل، بل أيضاً الولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما يعكس تراجع هامش القرار الإسرائيلي المستقل.

وانتقد أشكنازي ما وصفه بعدم مصارحة الرأي العام، لافتاً إلى أن الحكومة تكتفي بتصريحات عامة وفيديوهات، من دون تقديم صورة كاملة عمّا يجري. واعتبر أن هذا السلوك "يعكس أزمة قيادة مستمرة".

كذلك، أشار إلى تساؤلات متزايدة داخل إسرائيل حيال الحالة الصحية لنتنياهو، ومدى تأثيرها على أدائه واتخاذه للقرارات، في ظل غياب الشفافية في هذا الملف.

 

مشهد بلا حسم

 

تعكس القراءة الإسرائيلية نفسها صورة معقّدة لمشهد جنوب لبنان. تصعيد عسكري مستمر، من دون أفق حاسم، وقيود أميركية تحدّ من حرية الحركة، وخصم قادر على التكيّف مع الضغوط.

هذا التداخل بين الميدان والسياسة، كما يظهر في الإعلام الإسرائيلي، يجعل من الصعب ترجمة التصعيد إلى نتائج ملموسة، ويُبقي المواجهة مفتوحة على استنزاف طويل، بدل الحسم الذي يُرفع كشعار.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية