إسرائيل بعد تفاهم ترامب وإيران... قلق على العقيدة الأمنية واهتزاز الثقة بنتنياهو
تسود في إسرائيل حالة من القلق والإحباط بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية في قصر فرساي. ومن خلال قراءة التحليلات الصادرة عن خبراء الأمن ووسائل الإعلام الإسرائيلية، يتضح أن الانطباع السائد هو أن تل أبيب خرجت بأقل المكاسب من الحرب، فيما حصلت طهران على فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها السياسية والاقتصادية.
ولا يقتصر القلق على مضمون المذكرة فحسب، بل يمتد إلى تداعياتها على العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية القائمة على الردع والإنذار المبكر ونقل المعركة إلى أرض العدو وعدم رهن الأمن الإسرائيلي بأي تدخل عسكري خارجي. فقبول وقف إطلاق النار من دون إزالة التهديدات بالكامل يثير تساؤلات متزايدة حيال فاعلية هذه العقيدة في مواجهة التحديات الجديدة.
مكاسب إيرانية ومخاوف إسرائيلية
في هذا السياق، كتب مدير معهد دراسات الأمن القومي اللواء تامير هايمان أن ما يجب الانتباه إليه في مذكرة التفاهم هو أنها "بعيدة عن ضمان تحقيق أهداف الحرب"، معتبراً أنه "لو كان معروفاً مسبقاً أن الحرب ستنتهي بهذه النتيجة، لكان من الأفضل عدم خوضها أساساً".
وبحسب هايمان، فإن الأخبار السيئة بالنسبة إلى إسرائيل تتمثل في أن المذكرة تضمن بقاء النظام الإيراني، وتمنحه متنفساً اقتصادياً واسعاً، إضافة إلى دور مؤثر في بعض الملفات الإقليمية، ومنها إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز بالاشتراك مع سلطنة عُمان، فضلاً عن تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، بما يعزز مجدداً مفهوم "وحدة الساحات".
أما في ما يتعلق بالملف النووي، وهو القضية الأهم بالنسبة إلى إسرائيل، فيشير هايمان إلى وجود التزامات إيرانية مرتبطة بتخفيف المواد المخصبة وتجميد البرنامج النووي خلال فترة المفاوضات، وإن كانت التفاصيل "لا تزال غير واضحة". ويرى أن هذا المسار "قد يمنع تدهور الوضع في المدى القريب، لكنه يبقى اتفاقاً هشاً وإشكالياً يعتمد على التزام إيران واستمرار الرقابة الدولية".
ويزيد من القلق الإسرائيلي أن تفاصيل المذكرة "لا تزال غامضة"، وأن تل أبيب "لم تكن شريكاً مباشراً في صياغتها"، ما يترك المؤسسة الأمنية أمام واقع جديد فرضته التفاهمات الأميركية - الإيرانية.

لبنان ساحة الاحتواء الأولى
بحسب صحيفة "إسرائيل هيوم"، تنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى فترة الستين يوماً المخصصة للمفاوضات باعتبارها "فرصة لمحاولة التأثير في الصيغة النهائية عبر الإدارة الأميركية وتقليل الأضرار المحتملة".
وفي الوقت نفسه، حدد الجيش الإسرائيلي مهمته الرئيسية في الساحة اللبنانية بالسعي إلى "قطع الروابط بين طهران وبيروت ومنع أي محاولة إيرانية لإعادة وصل الجبهتين". ولهذا السبب، ترى النخب السياسية والأمنية أن "الحفاظ على حرية الحركة العسكرية في لبنان يشكل جزءاً أساسياً من مرحلة ما بعد التفاهم".
كذلك، يتمسك الجيش الإسرائيلي، وفق الصحيفة، بضرورة "الرد بقوة" على أي هجوم يستهدف إسرائيل، حتى لو استدعى ذلك "شن غارات جديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت، بغض النظر عن التداعيات السياسية أو مستوى الانزعاج الأميركي من هذه الخطوات".
وفي المسار السياسي، يرى مسؤولون أمنيون أن تسريع المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية برعاية أميركية "قد يشكل أداة فعالة لإضعاف النفوذ الإيراني داخل لبنان، من خلال تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية". وخلال محادثات مغلقة، وجّه مسؤولون أمنيون انتقادات للحكومة الإسرائيلية بسبب "بطء التقدم في هذا الملف"، معتبرين أن القيادة السياسية "لم تمنحه الأولوية الكافية".
في المقابل، تؤكد المؤسسة الأمنية أنها لا تتوقع أن تتمكن الدولة اللبنانية مستقبلاً من نزع سلاح "حزب الله" بصورة كاملة، لكنها ترى أن "أي مسار سياسي يجري بعيداً من التأثير الإيراني يصب في المصلحة الإسرائيلية".
الخلاف مع ترامب واهتزاز الثقة بنتنياهو
على المستوى السياسي، رأت المحللة السياسية في صحيفة "معاريف" آنا براسكي أن المسؤولين في الإدارة الأميركية يتجنبون توصيف التوترات الحالية بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنها "أزمة شخصية"، مشيرة إلى أن "جوهر الخلاف يرتبط بتباين المصالح والأهداف في الملف الإيراني".
وبحسب مصادر أميركية نقلت عنها براسكي، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل "لا تزالان شريكتين استراتيجيتين، إلا أن رؤيتهما للمرحلة الحالية لم تعد متطابقة بالكامل. كما تلعب الاعتبارات السياسية الداخلية وحسابات الزعيمين المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية دوراً مهماً في صياغة القرارات".
ورغم ذلك، لا ترى الأوساط الأميركية أن الخلاف الحالي "يهدد أسس التحالف الاستراتيجي بين البلدين"، لكنه "يكشف حدود قدرة نتنياهو على التأثير في قرارات ترامب"، ولا سيما في القضايا المرتبطة بإيران.
في موازاة ذلك، تحدثت صحيفة "هآرتس" عن "تراجع مكانة إسرائيل داخل أوساط اليمين المحافظ الأميركي"، في ظل استمرار تداعيات حرب غزة والحرب الأخيرة مع إيران. وأشارت إلى أن استطلاعات الرأي أظهرت "تنامي النظرة السلبية تجاه إسرائيل، خصوصاً بين الجمهوريين الشباب".
وبحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة، فإن نحو 41% من الجمهوريين و57% من الجمهوريين الشباب دون سن الخمسين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما ينظر نحو 60% من الأميركيين إليها بصورة سلبية، مقارنة بـ53% العام الماضي و42% في عام 2022.
كذلك، تراجعت الثقة بنتنياهو داخل الولايات المتحدة، إذ لا يثق نحو 60% من الأميركيين بقراراته على الساحة الدولية، في ظل اتهامات متزايدة له، بما في ذلك من أوساط في اليمين الأميركي، بأنه دفع ترامب نحو حرب لم تكن تحظى بإجماع سياسي واسع.
وبالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإن الخطر لا يكمن فقط في تفاصيل مذكرة التفاهم، بل في المرحلة التي ستليها. لذلك تتزايد الدعوات إلى إعادة تقييم الاستراتيجية الإسرائيلية ومواصلة اليقظة الاستخباراتية والعسكرية، انطلاقاً من قناعة بأن الصراع مع إيران لم ينتهِ، وأن التفاهم الحالي قد يكون مجرد محطة موقتة في مواجهة طويلة لا تزال فصولها مفتوحة.