إسبانيا تستعيد العرش... وتنقذ كأس العالم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

كانت النسخة الـ23 من نهائيات كأس العالم هي الأكبر في التاريخ، وربما الأكثر جدلاً أيضاً. لكن المنتخب الإسباني أعاد شيئاً كاد يضيع وسط كل هذا الضجيج: "كرة القدم".

لم ينقذ منتخب "لا روخا"البطولة الأهم في عالم الرياضة، لهزمه نظيره الأرجنتيني بهدف فيران توريس في الدقيقة الـ 106 على ملعب "ميتلايف" في نيوجرسي، بل لأنه أعاد "الساحرة المستديرة" إلى صدارة بطولة كادت تتحول إلى منحى آخر.

خمسة أسابيع من عمر المونديال، سيطر فيها الحديث عن السياسة والمال، وعن رئيسي الولايات المتحدة دونالد ترامب، و"فيفا" جاني إنفانتينو، أكثر مما سيطر الحديث عن المدربين والخطط، وعن توسعة البطولة إلى 48 منتخباً أكثر من جودة المباريات، وعن العروض الفنية والمشاهير في المدرجات أكثر من الحديث عن النجوم في المستطيل الأخضر. ثم جاءت إسبانيا لتقدم الجواب الوحيد الذي لا يقبل الجدل، وهو "أفضل كرة قدم ما زالت تستحق أن ترفع كأس العالم".

وسيدوّن في السجلات المونديالية أن نسخة 2026 كانت الأكبر في تاريخ اللعبة، والأغنى، والأكثر استعراضاً، وربما الأكثر تداخلاً بين الرياضة والسياسة، وسيذكر التاريخ أن نهايتها كانت عادلة؛ فالفريق الذي سيطر على البطولة منذ يومها الأول هو نفسه الذي رفع الكأس في يومها الأخير.

 

 

الظهور الأخير للأرجنتيني ليونيل ميسي كان مخيباً. (وكالات)

 

 

ميسي متفرجاً

الهدف الذي سجله لاعب برشلونة لم يصنع اللقب، بل وضع توقيعه الأخير على مشروع كروي متكامل. لم ينتظر منتخب إسبانيا لحظة إلهام أو خطأ من المنافس، بل فرض شخصيته بأسلوب الاستحواذ، والضغط، والتنظيم، والانضباط، واستقبلت شباكه هدفاً واحداً فقط طوال البطولة، وسيطرت على النهائي بصورة نادراً ما شهدتها مباراة بهذا الحجم. عشرون تسديدة مقابل اثنتين لمنتخب يقوده "الأسطورة الحية" ليونيل ميسي، وسيطرة كاملة على إيقاع اللعب لدرجة أن ميسي ورفاقه كانوا غرباء عن المباراة التي اعتادوا التحكّم بمصيرها.

ولعلّ أكثر من لخّص النهائي لم يكن لاعباً إسبانياً، بل ميسي نفسه، حين قال بعد صفّارة النهاية: "كانوا أفضل، بصراحة"، لم تكن مجاملة من قائد خسر آخر نهائي في مسيرته الدولية، بل اعترافاً بأن الكأس ذهبت إلى صاحبها الحقيقي.

أما مدرب الأرجنتين ليونيل سكالوني، فاكتفى بالحقيقة نفسها: "الفريق الآخر كان أفضل"، وفي كرة القدم، لا توجد شهادة أقوى من اعتراف الخاسر.

 

 

الإسباني فيران توريس يسجل هدف التتويج في شباك المنتخب الأرجنتيني. (وكالات)

 

 

في المقابل، قال فيران توريس بعد تسجيل هدف المجد: "كان هدفاً سجله 47 مليون شخص"، عبارة تختصر فلسفة الكرة الإسبانية. لم يكن اللقب صناعة نجم واحد، بل ثمرة منظومة كاملة. ولهذا أيضاً قال المدرب المتوّج لويس دي لا فوينتي بعد رفع الكأس: "وصلنا إلى هنا معاً"، وهو بمثابة الوصف الدقيق لمنتخب لعب كفريق في زمن أصبحت فيه المنتخبات أسيرة الأسماء.

قراءة هذا المونديال من زاوية إسبانيا وحدها قد تكون ناقصة؛ فمنذ أن منح الاتحاد الدولي حق استضافة نسخة 2026 للولايات المتحدة وكندا والمكسيك عام 2018 على حساب المغرب، بدأت البطولة تكتب قصة مختلفة: توسعة غير مسبوقة إلى 48 منتخباً، أكثر من مئة مباراة، عائدات تجارية قياسية، بالإضافة إلى عروض ترفيهية مستوحاة من الرياضات الأميركية، وحضور سياسي وإعلامي كثيف جعل كأس العالم تبدو أحياناً أقرب إلى حدث عالمي شامل منها إلى بطولة رياضية.

في مونديال أميركا الشمالية، لم تعد السياسة ضيفاً على اللعبة، إذ كانت تجلس في المقصورة الرئيسية. حضور ترامب النهائي، وتسليمه الكأس لقائد إسبانيا رودري، رغم التوترات السياسية التي سبقت البطولة بين واشنطن ومدريد، كان واحداً من أكثر مشاهدها دلالة. الرجل الذي لم يُخفِ انتقاداته للحكومة الإسبانية وجد نفسه يصفق لمنتخبها وهو يعتلي منصة التتويج. أما إنفانتينو، فكان يقف إلى جانبه مبتسماً، وكأنه يحتفل بانتصار مشروعه بقدر احتفاله بانتصار إسبانيا.

 

إنفانتينو "رابح رابح"

رئيس الفيفا خرج فائزاً، فلغة الأرقام منحته كل ما يريد: أعلى حضور جماهيري في تاريخ البطولة، مئات الملايين من الدولارات الإضافية، مليارات المشاهدات، مع نجاح تجاري سيمنحه دفعة جديدة للدفاع عن سياساته، وربما للمضي أبعد في مشروع توسيع كأس العالم مستقبلاً. 

النجاح التجاري قد لا يكون معياراً لانتصار كرة القدم، فكلما كبرت البطولة، ازدادت المخاوف من أن تصبح اللعبة مجرد جزء من صناعة ترفيهية وسياسية واقتصادية هائلة. وهذا ما جعل تتويج إسبانيا يحمل قيمة تتجاوز اللقب نفسه. ففي بطولة حاول كل شيء أن يخطف الأضواء من المستطيل الأخضر، أعاد المنتخب الإسباني الكرة إلى أصحابها.

الرقصة الأخيرة

كان هذا المونديال أيضاً رقصة الوداع لجيل استثنائي. ليونيل ميسي، كريستيانو رونالدو، لوكا مودريتش، كيفن دي بروينه، أسماء صنعت عصرها، لكنها سلمت الشعلة لجيل جديد يقوده لامين يامال وباو كوبارسي وغيرهما من الوجوه التي ستحدد شكل اللعبة في العقد المقبل. انتهت حقبة كاملة، وبدأت أخرى، وكانت إسبانيا عنوانها الأبرز.

لم تكن نسخة 2026 بطولة مثالية. حفلت بالجدل، والنقاشات التحكيمية، والتدخلات السياسية، والاستعراض غير المسبوق. لكنها انتهت بالنتيجة التي كانت تحتاجها كرة القدم.

الأفضل بطلاً للعالم

لم يكن أهم مشهد في النهائي تسليم ترامب الكأس، ولا ابتسامة إنفانتينو، ولا حتى دموع ميسي وهو يودع حلمه الأخير. المشهد الأهم كان اعتراف الخاسر نفسه بأن المنتصر استحق الفوز. في زمن أصبح فيه كل شيء في كأس العالم قابلاً للبيع، والتسويق، والاستثمار، بقي شيء واحد عصياً على الجميع... كرة القدم نفسها. وإسبانيا كانت أفضل من ذكّر العالم بذلك.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية