إرث 67: عندما صاغَ الحِبرُ هيبة الدولة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} المحامي ربيع حنا طنوس

ثَمّةَ أعوام تمرُّ في تاريخ الأوطان مروراً عابراً، تذوب في غبار التقاويم من دون أن تترك خلفها سوى اسمٍ او رقم. وثَمّةَ أعوامٌ أخرى تولد من رحم العواصف، فتحفر مجراها العتيق في بنيان الأمة، وتتحوّل إلى جيناتٍ تشريعية حيّة تُشكّل ملامح المستقبل. 
في عام 1967، بينما كان الشرق العربي يلملم انكسارات الجغرافيا تحت العصف العاتي لحرب حزيران، وكان الهيكل المالي اللبناني يترنح تحت وطأة تصدّع اقتصادي بحجم "بنك انترا"، كانت المطابع الرسمية في بيروت تخوض معركةً صامتة من نوع آخر، معركةً لم تكن المدافع سلاحها، بل الحبر والورق، والرؤية التشريعية الثاقبة.
في ذلك المنعطف التاريخي، وتحت مظلّة رئيسٍ آثرَ الدستور على الامتداد، وفي ظل حكومةٍ تسلّحت بالصلاحيات الاستثنائية، انطلقت في لبنان ورشة تشريعية تأسيسية لم تشهد البلاد لها مثيلاً. لم تكن القوانين والمراسيم الاشتراعية التي قُذفت إلى الضوء مجرّد نصوصٍ تقنية جافة تضبط الإدارة أو تنظم المهن، بل كانت بمثابة إعلان وجود، حصناً حقوقياً متماسكاً يُبنى وسط زلزال إقليمي، ليرسم ملامح دولة المؤسسات ويستكمل تثبيت مداميك "النهج الشهابي" الرعائي في أوج نضوجه، بحيث تجلى مجلس النواب آنذاك كنائب فاعل ومحرك تاريخي صاغ هيبة الدولة المشتهاة بمحابر اليقين.
فمن بوابة الاقتصاد، لم يكن المشرّع اللبناني مجرد مراقب لحركة السوق، بل كان مهندساً للائتمان والثقة عبر قانون المؤسسة التجارية ومرسوم التمثيل التجاري، إذ تجلت ريادته في الارتقاء بالنظر التشريعي الى الاعتراف بالكيان المعنوي للمحل التجاري، وتحويل عناصره غير الملموسة إلى ملكية مستقلة عن جدران العقار، وبالتوازي مع صوغ حصانة تحمي التاجر الوطني في وجه الشركات العابرة للقارات وتكرّس السيادة القضائية للبلاد. 
هذا التوجه وفرّ شبكة أمان حمت عرق السنين للمبتكرين من سطوة أصحاب العقارات والاحتكارات الخارجية على حد سواء، ومنح الرأسمالية الجرأة على التوسع عبر السماح برهن هذا الكيان للحصول على قروض، ايماناً بأن القانون هو القاعدة الصلبة التي تمنع تصدّع البنيان الاقتصادي عند الهزات، وهو الوعي ذاته الذي تجسد في ابتكار"محكمة التوقف عن الدفع" لامتصاص صدمة السقوط المالي وحماية المودعين.
لم تقف حكمة المشرّع عند حدود الأسواق وحركة المال، بل امتدّت لتطاول عقل الأمة الحاضن والذود عن كيانها، ففي اللحظة التي تطلبت حماية الحدود إعادة تنظيم السيادة عبر قانون الدفاع الوطني المعاصر، نظر نواب تلك الحقبة إلى التعليم الرسمي كرافعة للوحدة الوطنية وأداة لكسر المحظور المعرفي من خلال تنظيم الجامعة اللبنانية، وتجلت هذه النظره في مأسسة الحضانة الفكرية وصوغ الاستقلال المالي والإداري والأكاديمي للجامعة، انطلاقاً من فلسفة تؤمن بأن العقل لا يبني وطناً إذا ظل مكبلاً بأغلال الطائفية. وبذلك تحولت الجامعة الرسمية إلى جسر عبور طبقي يحقق الديموقراطية المعرفية، ويتيح لأبناء الأطراف تكافؤ الفرص وصعود سُلَّم القيادة لمنافسة خريجي أعرق الجامعات، مكرسةً ملامح المصهر الوطني عبر تأسيس مساحة تلتقي فيها كل مكونات المجتمع اللبناني تحت سقف المعرفة صهراً للفوارق وتثبيتاً لعقد المواطنة الحقة.
هذا التوازن الفكري توازى مع حِرفيةٍ عالية في استباق الصراعات الطبقية بحيث برز البرلمان في ضبط التنمية وحقوق العمال، إذ شهد هذا المنعطف تفعيلاً ناضجاً ومأسسة تنفيذية لعهود عقود العمل الجماعية وآليات الوساطة والتحكيم التي شُرِّعت في السنوات القليلة السابقة، ليتم دفعها بقوة نحو التطبيق الفعلي كأداة لحفظ السلم الأهلي. وقد ارتكزت هذه المنظومة على شرعنة الحوار الندي من خلال إدخال مفهوم الوساطة، كوعي برلماني يرى في النقابات شريكاً أساسياً في الإنتاج لا مجرد رقم في معادلة الأرباح. وهو ما وفرّ وقاية حقيقية من الهزات عبر صوغ آليات التحكيم لمنع الانفجار الاجتماعي، إيماناً بأن السلم الأهلي ينبثق أولاً عن الأمان الاجتماعي والكرامة الإنسانية داخل المعمل، وصولاً إلى تفعيل التكافل الاجتماعي ودفع المراسيم التطبيقية للضمان الاجتماعي إلى حيّز التنفيذ العملي، لتحويل الدولة من مجرد حارس أمني إلى راعٍ لصحة المواطن ومستقبل عائلته وضامن لهما.
ولكن المفارقة الشاحبة التي تطالعنا اليوم، هي أن تلك النصوص التي صيغت ذات يوم بمداد اليقين وبنيان الدولة، باتت تقف شواهد صامتة في عراء المؤسسات الحالية. إن إرث 1967 لم يكن مجرد حبرٍ أُريق على ورق "الجريدة الرسمية"، بل كان مشروعاً لدولة مكينة مهابة. بيدَ أن عاديات الزمن وانكفاء هيبة الدولة حوّلا تلك الحصون التشريعية إلى هياكل معزولة، تغشاها غشاوة التعطيل، و تتقاسمها المصالح الضيقة. لقد تراجعت تلك الهيبة الشامخة، و تآكلت أطراف المؤسسات، حتى كدنا ننسى أن القانون كان يوماً بِساطاً تستوي فوقه هامات الجميع بلا تمييز.
ومع ذلك، فإن هذا الأفول المؤسساتي ليس قضاءً مبرماً، ولا هو نهاية المطاف. فالنصوص التي ولدت من رحم الأزمات الكبرى كأزمة "إنترا" و"مرارة حزيران"، تحمل في تكوينها طاقةً على البقاء والنهوض، تشبه جمر الرماد الذي ينتظر لافحة الهواء. إن ريادة لبنان ليست فصلاً منسياً في كتاب التاريخ يُبكى عليه، بل هي هوية عصية على المحو، وركائز قانونية وثقافية كامنة في وعي أبنائه.
سيعود لبنان كما كان، مرسىً للمشرعين، ومختبراً للأفكار، ومنارةً للحقوق تجمع بين أصالة الشرق وتطور الغرب. فالإرث الحقيقي لا يموت، بل يغفو ريثما تستيقظ إرادة البناء وتتحرك سواعد المواطنة الحقة، لتستردّ الدولة حصانتها، ولتستعيد المؤسسات نبضها الرائد، في وطنٍ تليق به هيبة القانون، ويليق هو بصدارة الصرح الإنساني.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية