إدانة جزائرية متأخرة لاستهداف دول الخليج تثير تساؤلات حول التوقيت

أدانت الجزائر، أخيرا، الهجمات الإيرانية التي استهدفت عددا من الدول العربية، خاصة في منطقة الخليج، بعد صمت دبلوماسي طال أكثر مما تحتمله إيقاعات الأزمات الدولية الشائكة، في موقف بدا وكأنه يصل متأخرا إلى موعد كان محددا سلفا في أجندة التضامن العربي.

جاءت هذه الإدانة على لسان وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، خلال مشاركته في الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، حيث وصف الهجمات بأنها “اعتداءات غير مبررة وغير مقبولة”، في توصيف مباشر جاء بعد أن استُهلِكت معظم ردود الفعل الإقليمية والدولية.

ولم يكن هذا التحول بعيدا عن موجة الانتقادات التي طالت الموقف الجزائري خلال الأسابيع الماضية؛ إذ بدا أن الدعوات المتكررة إلى “التهدئة” كانت تتحرك بحذر دبلوماسي محسوب، تتجنب تسمية الأشياء بمسمياتها، إلى أن أصبح الصمت نفسه موضوعا للنقاش.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الجزائر تمسكها بخيار التهدئة والحلول الدبلوماسية، وتعيد التذكير بمركزية القضية الفلسطينية، يبدو أن إدانتها الأخيرة، رغم أهميتها، تطرح سؤال التوقيت أكثر مما تقدِّم جوابا حاسما على طبيعة الموقف.

تصحيح دبلوماسي

قال أبا علي أبا الشيخ، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن الموقف الذي عبرت عنه وزارة الخارجية الجزائرية في بداية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لم يكن موفقا؛ إذ تجنب الإشارة إلى ما تعرضت له دول الخليج من ضربات عسكرية استهدفت مواقع حيوية، بما فيها منشآت عسكرية ومدنية سكنية ومرافق طاقية.

وأضاف أبا علي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذا التجاهل لما طال دولا مثل قطر والسعودية والكويت وسلطنة عمان والبحرين، طرح تساؤلات بشأن خلفيات هذا التحفظ، خاصة وأن الرئيس الجزائري كان قد اعتبر في تصريحات سابقة أن أمن الخليج من أمن الجزائر.

وأوضح المستشار الصحراوي أن البيان الجزائري الأول بدا متناقضا مع تلك التصريحات، في ظل ما اعتبره ميلا ضمنيا إلى التضامن مع إيران دون إبراز موقف واضح تجاه الاعتداءات التي طالت دولا عربية، مشيرا إلى أن “هذا الغموض فتح الباب أمام تأويلات سياسية ودبلوماسية متعددة”.

كما عرج خلال حديثه على أن تصريح وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، الأخير، الذي وصف فيه الهجمات بأنها “اعتداءات غير مبررة وغير مقبولة”، جاء في سياق محاولة تدارُك ما وصفه بالأخطاء والغموض الذي طبع الموقف الأول، بما لا ينسجم مع مبادئ ميثاق جامعة الدول العربية، خاصة ما يتعلق بالأمن القومي العربي والتضامن بين الدول الأعضاء.

وتابع شارحا: “إن هذا التحول يعكس أيضا تخوفا من تداعيات محتملة على العلاقات مع دول الخليج، في ظل بروز دعوات لفرض مواقف أكثر وضوحا، وما قد يترتب عن ذلك من تأثيرات على الاستثمارات الخليجية في الجزائر، لا سيما القطرية والسعودية والعمانية”.

وخلص عضو “الكوركاس” إلى أن التصريح الأخير، رغم أهميته، يظل محتشما ولا يرقى إلى مستوى وضوح وقوة المواقف التي صدرت عن الرئيس الجزائري قبل اندلاع التصعيد، ما يجعله أقرب إلى تصحيح دبلوماسي جزئي منه إلى تحول حاسم في الموقف.

تراجع الازدواجية

يرى الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام مهتم بنزاع الصحراء المغربية، أن الموقف الجزائري خلال بداية التصعيد الإقليمي اتسم بازدواجية لافتة، حيث بدا في لحظة معينة أقرب إلى دعم غير مباشر لإيران، قبل أن يتحول لاحقا نحو إبداء تضامن واضح مع دول الخليج.

وأوضح بوسعيد، ضمن إفادة لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن الجزائر تجنبت في البداية إدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران، رغم ما خلفته من خسائر في صفوف قياداتها، وهو ما يمكن قراءته كمحاولة للحفاظ على توازن دقيق في علاقتها مع واشنطن.

وذكر المحلل السياسي ذاته أن هذا التحفظ شمل أيضا غياب أي تعبير رسمي عن الأسف لمقتل شخصيات إيرانية بارزة، من بينها المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، رغم طبيعة العلاقات التي جمعت الأخير بالجزائر خلال فترات سابقة.

ونبَّه المتحدث عينه إلى أن التحول اللاحق في الخطاب الجزائري، من خلال إدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، يعكس إعادة تموضع دبلوماسي فرضته ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، خاصة مع تنامي الانتقادات للموقف الجزائري خلال الأسابيع الماضية.

وزاد قائلا: “هذا التغير لا يمكن فصله عن حسابات استراتيجية أوسع، ترتبط برغبة الجزائر في تفادي أي توتر محتمل مع القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى جانب الحرص على عدم خسارة شركائها في الخليج”.

وأضاف الباحث في خبايا النزاع أن استقبال وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، سفراء الدول الخليجية المتضررة، وتأكيده تضامن بلاده معها، يعكس توجُّها عمليا لإعادة التوازن في العلاقات العربية، بعد مرحلة من الغموض الدبلوماسي.

واسترسل المصرح ذاته بأن هذا التحول، رغم دلالاته، يظل جزئيا، بالنظر إلى استمرار الجزائر في تجنب إدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وهو ما يكشف استمرار سياسة “مسك العصا من الوسط” في التعاطي مع الأزمات الإقليمية.

وأكمل الشيخ بوسعيد حديثه لهسبريس بأن تصريح أحمد عطاف، الذي وصف فيه الهجمات الإيرانية على الدول العربية بأنها “اعتداءات غير مبررة وغير مقبولة”، جاء أساسا في سياق امتصاص الانتقادات وإعادة ضبط البوصلة الدبلوماسية بما ينسجم مع سعي الجزائر للحفاظ على توازن علاقاتها.

The post إدانة جزائرية متأخرة لاستهداف دول الخليج تثير تساؤلات حول التوقيت appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress