إبستمولوجيا العجز الأخلاقي: العلوم السياسية وسؤال الانعتاق بالجمال والهامش
تطرح المعرفة السياسية المعاصرة مأزقاً إبستمولوجياً وأخلاقياً عميقاً يتعلق باستحالة إدانتها لما هو غير أخلاقي، وهو مأزق يتكشف بدءاً من التحول التاريخي الذي قطع صلة العلوم السياسية بالفلسفة النظرية والأخلاقية ليتجه بها نحو القياس الكمي والسلوكي. وفي هذا السياق، جرى تحريف مفهوم الحياد الأكسيولوجي عن مقصده الأصلي، ليتحول من أداة لتحرير الباحث من وصاية السلطة إلى ذرائعية منهجية تفرض اتخاذ مسافة باردة ومساوية بين الضحية والجلاد. أقولها بوضوح: إن الحياد الأكسيولوجي، حين يتحول إلى ذريعة للصمت، لا يمكن أن يُقنعني بصفته موضوعية، بل أراه انحيازاً مقنّعاً للوضع القائم.
إن هذا الادعاء المتمثل في الحياد التام يمثل مثالية مستحيلة ووهماً أيديولوجياً، كون السكوت عن نقد علاقات القوة باسم الموضوعية يشكل في واقع الأمر انحيازاً صريحاً للوضع القائم. ويقتضي هذا الوضع الوقوف عند إكراهات النموذج الأنجلوسكسوني والتبرم المنهجي الذي يعيشه الباحث المغربي في العلوم السياسية عندما يُجبر على ترويض حسه الإنساني، والامتثال للصرامة الأكاديمية الصارمة. أعي تماماً قسوة هذا الترويض المنهجي، وأشعر أنني أُجبر على إخفاء حسّي الإنساني تحت قناع الصرامة الأكاديمية.
ويتجلى هذا الإكراه المنهجي بوضوح في الصراع الصامت بين أسلوبين في التفكير والكتابة؛ أسلوب “المخرج ألفريد هيتشكوك” الذي يقوم على حبكة التشويق السردي، وإرجاء المفاجأة، وترك الخاتمة الفكرية تنكشف في اللحظة الأخيرة كإشراق إسطيتيقي ممتع، وبين التزام أسلوب “المحقق كولومبو” الذي تفرضه المدرسة الأمريكية، حيث تُكشف الجريمة والنتيجة والفرضية المركزية منذ السطور الأولى للمقدمة، ليصبح بقية البحث الأكاديمي مجرد تفكيك بارد ومكشوف لكيفية حدوث الفعل. هذا الانتقال القسري من منطق هيتشكوك الدرامي الجمالي إلى منطق كولومبو الأكاديمي المكشوف، يُفرغ المعرفة من روحها الحية وشغفها الاكتشافي لصالح بناء نماذج قياسية جافة تكشف نتائجها مسبقاً وتقتل متعة السرد. أجد نفسي ممزقاً بين إكراهات المنهج الأكاديمي وبين شغفي الجمالي الذي يرفض أن يُختزل في جداول وأرقام.
وتتضاعف قسوة هذا الإكراه المنهجي عندما يصطدم ببروفايل “عالم السياسة المتذوق والعاشق للجمال”؛ ذلك الباحث المفتون بالفنون والسينما والموسيقى والأدب، الذي يرى في الجماليات منفذاً لإدراك ما يعجز التجريد السلوكي عن اقتناصه. كم مرة شعرت وأنا أقرأ الدراسات السياسية أنني أمام نصوص بلا روح، بلا موسيقى داخلية، بلا تلك الارتعاشة التي يمنحها الفن حين يلامس الحقيقة الإنسانية. وربما يشارك القارئ هذا الإحساس بالفراغ حين يواجه نصاً سياسياً بارداً، فيتساءل: أين الإنسان في كل هذا؟ أين الضمير؟
إن هذا العاشق للجمال يرى أن الحقيقة السياسية والاجتماعية لا تقبع في الجداول الأحصائية الباردة، بل تكمن في الثنايا الفاصلة بين الحلم والعقل، وبين المتخيل والمباشر. ومن هنا يتحول تدنيس المعرفة السياسية بتجريدها من الحس الجمالي إلى فعل قمعي يُلزم المفكر بأن يكتب بنمطية وإكراه، محروماً من المتعة والشغف، ومجبوراً على إخفاء رؤيته الذاتية للجمال والعدالة تحت دروع منهجية صماء.
وتتجلى أبعاد هذا المأزق بصورة أعمق في كيفية توظيف عقلانية الدولة وهيكلتها لمنح القرارات العنيفة غطاءً عقلانياً يُخرجها من دائرة الصواب والخطأ الأخلاقيين، حيث يُستخدم صنم المصلحة العليا للدولة وأدوات تحليل المخاطر وإدارة الأزمات لتطبيع العنف غير المشروع وتحويله إلى مجرد تقنية تدبيرية يُحسب نجاحها أو فشلها بمدى تحقيق الكفاءة والاستقرار لا بمدى عدالتها. وتظهر هنا استحالة الإدانة وتأبيد الإفلات من العقاب من خلال عجز الأدوات القانونية والسياسية الرسمية عن إدانة عنف الدولة، وتملص الديمقراطيات الغربية عبر ابتكار مساحات الاستثناء ك”غوانتانامو” لحماية المصلحة الإستراتيجية.
وأمام هذا الانسداد الأخلاقي والجمالي في مركز المعرفة السياسية الرسمية، تنبثق الضرورة الإبستمولوجية للبحث عن الهامش كفضاء لإعادة بناء المعنى والانعتاق، وهو هامش يتجلى بوضوح في اللجوء المشترك إلى الرواية ومتخيل السرد لدى كل من عبد الله العروي وعبد الحي المودن على سبيل المثال لا الحصر، فقد شكل النص الروائي لكلاهما ملاذاً لإحياء الذاتية وتجسيد الهشاشة الإنسانية، واستعادة اللذة الجمالية، والانتصار للضمير بعيداً عن جفاف المفهوم وصرامة التجريد الأكاديمي. وإن كان العروي يسعى عبر رواياته لاظهار وجهه الثاني لتفكيره التاريخي والسياسي، لكن بلغة التخيل والحلم وتعدد الأصوات بدل تقريرية البحث الأكاديمي، فإن المودن يجد في المهرب الروائي، وفي شَغَفه الفني، وفي الهامش المجتمعي، مساحة للحرية المطلقة والإنصات للضحايا والاستمتاع بإعادة بناء العالم بجمالية متحررة كبديل عن الارتهان لمركزية السلطة والعلوم الجافة.
وتأسيسا على ذلك، تتضح الحاجة إلى إعادة صياغة التكليف الفكري للباحث السياسي، بحيث لا يقتصر دوره على تفكيك آليات القوة وشرح كيفية اشتغال السلطة، بل يتعداه إلى كشف حدود هذه القوة ومساءلتها أخلاقياً وانتصار المعرفة لكرامة الإنسان وحسِّه الجمالي. وبصفتي أستاذاً أعيش يومياً معاناة الطلبة أمام هذا الترويض المنهجي، وأشهد على إحباطاتهم وأسئلتهم المعلقة، أكتب هذا النص لا بصفتي محايداً، بل بصفتي أستاذاً غير محايد، أؤمن أن المعرفة لا تكتمل إلا بانتصارها لكرامة الإنسان وحسّه الجمالي.