إبراهيم نصر الله: الصهيوني يسرق هوية الفلسطيني.. والحرية سر الصمود

قال الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله إن المشروع الصهيوني لا يستهدف قتل الفلسطيني فحسب؛ وإنما يسعى إلى محو هويته والاستيلاء عليها، موضحا أن “المحتل الصهيوني يقتل الفلسطينيين، ليس فقط ليقتلهم، بل ليكونهم، أي يكون مكانهم ويصبح، بالتبعية، هو الفلسطيني؛ وهو ما يتجلى في سرقة التراث والملابس والذاكرة والرقص بوصفها مظاهر لهذا السعي إلى الاستيلاء على هوية الضحية”.

جاء هذا ضمن فعاليات الدورة العشرين لمهرجان “ثويزا” الثقافي، خلال جلسة حوارية، مساء أمس السبت، بعنوان “فلسطين… مفارقة الحب والكراهية”، سيّرها وأطّرها الشاعر والكاتب المغربي مخلص الصغير، حيث استعرض نصر الله رؤيته للعلاقة بين فلسطين والحب والكراهية، متوقفا عند الأبعاد التاريخية والثقافية والدينية التي جعلت من القضية الفلسطينية قضية إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

وسأل الصغير، وهو مدير بيت الشعر بتطوان، الأديب الفلسطيني حول ما إذا كانت فلسطين المحتلة تؤدي ضريبة جمالها الأسطوري والديني والتاريخي والجغرافي المتوسطي، ليجيب نصر الله بأن “خصوصية فلسطين لا تكمن في موقعها وحده، وإن كان هذا الموقع قد تحول في أحيان كثيرة إلى لعنة، بل في كونها، عبر تاريخها الطويل، كانت هدفا دائما للغزاة، لما تمثله من قيمة استراتيجية وثقافية ودينية”.

وشدد الأديب ذاته على خطورة وجه “العداء الصهيوني”، مؤكدا أن “كل كراهية تُضمر في داخلها قدرا من العنصرية، مهما اختلفت مستوياتها؛ في حين أن كل مقاومة لهذه الكراهية تحمل في جوهرها شيئا من الحب”، وتابع: “فلسطين ارتبطت بالسماء كما ارتبطت بالأرض، وشكلت نقطة التقاء الديانات، مستحضرا رحلة الإسراء والمعراج باعتبارها إحدى الدلالات الكبرى على مكانة القدس في الوجدان الإسلامي.

وأكد نصر الله أن الحديث عن مقاومة الفلسطينيين لا ينبغي أن يقتصر على القرن الأخير؛ لأن الفلسطيني “يقاتل طوال وجوده على هذه الأرض”، حسب تعبير المتحدث عينه الذي استعرض محطات تاريخية شهدت تصدي الفلسطينيين للغزاة؛ من الحملات الصليبية إلى حملة نابليون، الذي أوقفته مدينة عكا ومنعته من مواصلة تقدمه شمالا، على الرغم من أنه كان قد اجتاح معظم العالم المعروف في عصره.

وأشار الروائي ذاته إلى أن “فلسطين، بقدر ما كانت ضحية للاحتلالات المتعاقبة، كانت أيضا رادعا لكثير من الغزاة”، لافتا إلى أن “غزة، التي تتعرض اليوم لدمار غير مسبوق، كانت في القرن الثامن عشر تمنح باريس قروضا لإضاءة شارع الشانزليزيه؛ في دلالة على ما بلغته المدينة من ازدهار اقتصادي وحضاري، قبل أن تتحول في الخطاب المعاصر إلى صورة مشوهة تُقدَّم باعتبارها بؤرة للشر”.

وأضاف نصر الله أن “أول ما يفعله المحتل والمجرم والعنصري هو تجريد الإنسان من إنسانيته وتحويله إلى مجرد رقم أو عالة على الكرة الأرضية”، موضحا أن الفلسطينيين عوملوا بهذه الطريقة منذ زمن طويل؛ غير أن “الأراضي المحتلة استطاعت أن تقاوم بالحب أكثر مما قاومت بأي وسيلة أخرى، لأن ميزان القوة العسكرية لم يكن يوما في صالحها، فتمسكت بما امتلكته من حب للحياة والوطن مكّنها من الاستمرار والصمود”.

وأوضح صاحب رواية “ظلال المفاتيح” أن المفتاح الذي تحتفظ به المرأة الفلسطينية ليس مجرد رمز لبيت مفقود، وإنما هو تعبير عن حب متجذر للوطن، معتبرا أن الفلسطيني لا يعيش الحنين إلى وطنه بقدر ما يعيش الحب له؛ لأن الوطن، في نظره، لم يغادر وجدانه يوما مهما ابتعد عنه قسرا.

كما رأى كاتب “أعراس آمنة” أن هذا الحب يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية؛ بدءا من الأم التي تصر على إرسال ابنها إلى المدرسة والجامعة رغم القصف، وصولا إلى الطبيب الذي يواصل أداء واجبه وسط الموت والدمار، مؤكدا أن ما يدافع عنه الفلسطيني في نهاية المطاف هو أشجاره وأطفاله وعالمه، أي الحياة نفسها.

واعتبر نصر الله أن الأدب الفلسطيني ظل، رغم كل ما تعرض له الفلسطينيون من ظلم، خاليا من العنصرية؛ لأن هزيمة إنسانية الفلسطيني تعني هزيمته الحقيقية.

وأضاف أن هذه الإنسانية لم تُهزم حتى الآن، وأن الحب ظل العنصر المركزي في حياة فلسطين، تلك البقعة الصغيرة التي تقدم نموذجا لقدرة الإنسان على الصمود في أقسى الظروف.

وفي سياق حديثه عن البعد الإنساني، شدد الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية مرتين على أن العالم بات بحاجة إلى الحب أكثر من أي وقت مضى، في ظل اتساع دوائر الكراهية والطغيان والموت الذي يُنقل مباشرة على الهواء، محذرا من أن الخطر الأكبر يكمن في اعتياد الأطفال على رؤية الموت حتى يصبح مشهدا عاديا في حياتهم اليومية.

وسرد الشاعر في هذا السياق حادثة لإحدى الجدات التي حاولت إغلاق التلفاز أثناء عرض مشاهد من غزة؛ غير أن حفيدها طلب منها تركه مفتوحا قائلا: “عادي… عادي”، معتبرا أن هذه اللحظة تختزل حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها العالم، حين يفقد طفل صغير دون الخامسة من عمره حساسيته الطبيعية تجاه الموت.

وأكد الحائز على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2018 أن المسؤولية اليوم لا تقتصر على الدفاع عن النفس أو عمّا تبقى من إنسانية الإنسان، وإنما تمتد إلى حماية الأجيال المقبلة من هذا الاعتياد على العنف، مشيرا إلى أن المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال يظل مجهولا في ظل استمرار الحروب والإبادة.

كما رأى أن الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحرية عبر التاريخ كانوا أكثر بكثير من الذين ضحوا من أجل الحب؛ غير أنه اعتبر الحرية نفسها الشكل الأسمى والأكبر للحب في حياة وتاريخ الشعوب، موضحا أن العشاق أيضا لا يضحون إلا دفاعا عن حريتهم في الحب.

وذكر أن الكراهية تسعى إلى محو الإنسان، بينما يسعى الحب، رغم كل ما يواجهه، إلى إنقاذ العالم، معربا عن قناعته بأن الحب قادر على تغيير العالم لو أُتيحت له الفرصة؛ غير أنه ظل، عبر التاريخ، محاربا ومطاردا.

وخلص الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أن جميع البشر يحبون، لكن كثيرين منهم يمنعون الآخرين من ممارسة حقهم في الحب؛ وهو ما يكشف عن شرخ عميق في البنية الثقافية والإنسانية، جعل الحب يُعامل أحيانا كما لو كان عدوا.

The post إبراهيم نصر الله: الصهيوني يسرق هوية الفلسطيني.. والحرية سر الصمود appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress