أيّ أبعاد تحملها زيارة عون لأنقرة بعد أيام على وصول سلام إليها؟
من المرات النادرة جداً في تاريخ العلاقات بين الدول، يزور رسمياً رئيس جمهورية دولة، عاصمة دولة أخرى بعد أقل من أسبوعين على زيارة رئيس حكومة هذا الجمهورية العاصمة نفسها، مما يعني أن زيارة الرئيس جوزف عون لأنقرة المحددة مبدئياً يوم الخميس، تكتسب سمة خاصة تتعدى بروتوكول العلاقات الدولية وزيارات الرؤساء، وهي سياسية بامتياز، وتندرج في سياق مشروع طموح يكتسب صفة العجلة للدولة المضيفة والداعية.
يقول نورالدين لـ"النهار" إن زيارة عون لتركيا، "إذا ما قرأنا مقدماتها والظروف التي تتم فيها، ليست عادية الأبعاد، بل تندرج في إطار المعادلة السياسية الطموحة والجامحة التي شرعت أنقرة منذ فترة في السعي لفرضها في أعقاب التحولات، خصوصاً مع الحكم الحالي في دمشق، حيث لا شك في أن أنقرة هي مرجعيته ومربط خيله".
دور سوري
ويضيف أن "دعوة عون إلى أنقرة بعد زيارة رئيس الحكومة لها، على صلة بتطور الحديث عن دور سوري مطلوب في عمق الداخل اللبناني لإطاحة معادلات سابقة وفرض معادلات مختلفة. لذا، من المؤكد أن عون ذاهب إلى أنقرة للإنصات إلى تصوّرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن حقيقة موقفه من الدعوة الأميركية الملحاحة للشرع لأداء دور ما في مواجهة "حزب الله"، لكي يبني على الشيء مقتضاه، خصوصا أنه ظل معتصما بالصمت حيال هذه الرغبة الأميركية المتكررة، والتي تخطت كونها تصريحا عابرا لترامب".
ولأن عون، وفق نورالدين، يقدر حجم "المونة" التركية على حكام سوريا، فإنه سيتقصى في زيارته حقيقة الموقف التركي من هذه الدعوة المقلقة، وهل هي في منأى عنها؟
ويخلص: "نقرّ لأردوغان بمهارته في الحسابات والتقديرات، وهو يعرف تداعيات قرار من هذا النوع (دخول سوريا) ويعرف موقف طهران المعارض لمثل هذه الخطوة، تماماً كما يدرك أن الساحة السنية في لبنان لا تواليه، بل توالي السعودية تاريخاً وحاضراً".

الرغبة التركية
ليس خافياً أنه منذ تطورين مهمين شهدهما لبنان، يتمثل الأول في تسابق القوى لملء الفراغ الذي يقدر البعض أنه حصل بالحضور الإيراني، ويتجسد الثاني في سقوط نظام بشار الأسد حليف طهران وسيطرة حلفاء أنقرة على مقاليد الحكم محله، أفصح الحكم التركي تدريجاً عن رغبة ضمنية عنده في التمدد إلى الساحة اللبنانية، أو على الأقل بناء رأس جسر له فيه، كامتداد طبيعي لتمدده في الساحة السورية.
منذ ذلك الحين، ضجت المحافل المعنية في بيروت بلقاءات بعيدة عن الأضواء تجريها دوائر تركية بقوى لبنانية، غالبيتها من الطائفة السنية، إضافة إلى علاقات غير مرئية مع "حزب الله" وجد الحزب أن من مصلحته إظهارها إلى الضوء. واللافت فيها أن أنقرة تحرص دوماً على أن تبقي حضورها هذا ناعماً وسلساً ولا ينطوي على تحدّ للآخرين، لمعرفتها بتعقيدات الساحة وصراعات النفوذ فيها.
قد تبدو زيارة عون لأنقرة جزءاً من حراك سياسي مكثف بدأه منذ فترة وتُوّج بلقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحرص على أن يتبدى منسجماً مع سياسة المحور العربي - الدولي الذي تشكل تركيا إحدى أضلاعه، خصوصاً أنه انغمس في هذا المحور ولم يترك لنفسه فرصة التراجع عنه، لذا فإن ثمة من يؤكد أن هناك مقصداً آخر لعون من هذه الزيارة الموعودة، هو أن يطفئ "غضب التركي" الذي جاهر باعتراضه على اتفاق الترسيم البحري الذي أبرمته بيروت مع قبرص وتجاهلت مصالح تركيا تماماً، لذا يريد التركي الذي يعرف نقطة ضعف لبنان هذه، أن يستفيد منها ويبني علاقة متكاملة مع كل مكونات الحكم في لبنان، خصوصاً أن هذا البلد تداخل جغرافياً وتاريخياً مع سوريا، التي صارت أنقرة وحكمها، في شكل أو آخر، مرجعيتها.
لذا فإن انقرة التي تعرف حساسيات الوضع اللبناني وتعقيدات تركيبته لا تمانع إطلاقاً في عودة الحضور السوري إلى المعادلة اللبنانية التي هي قيد التشكل، خصوصاً أن ثمة تجربة سابقة لم يمر عليها الزمن.