أيقونات الحياة في زمن الحرب
الخوري ريمون أبي تامر
لا تُقرأ بعض الصور بوصفها انعكاساً لما حدث فحسب، ولكن بوصفها كشفاً عمّا بقي ممكناً رغم ما حدث. فالحرب، حين تندلع، لا تستهدف الجسد والمكان فقط، فهي تحاول أن تفرض إيقاعها الخاص على الزمن نفسه.
تجعل الأيام متشابهة تحت وطأة الخوف والترقب، وتدفع الإنسان إلى العيش داخل منطق الطوارئ الدائمة. ومع ذلك، يبقى في حياة البشر شيء يصعب إخضاعه بالكامل وهو تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الوجود معناه وتمنع الأيام من التحول إلى مجرد انتظار.
لهذا تكتسب بعض الصور الملتقطة في زمن الحرب قيمة تتجاوز التوثيق. فهي أبعد من تسجيل للحدث العسكري أو السياسي، فهي تلك اللحظة التي تلتقط ويُصرّ فيها الإنسان على الاستمرار في عيش حياته ضمن الحدود التي ما زالت متاحة له. ومع تكرار النظر إليها، تتحول هذه الصور إلى ما يشبه الأيقونة للشهادات البصرية على قدرة البشر على حماية جزء من عالمهم الخاص من اجتياح العنف.
كثير من هذه الصور لم يصنعها أبطالها، فقد تم التقطاها من قبل مصورين محترفين أدركوا أن ما يجري أمامهم يتجاوز الخبر العابر. ففي اللحظة التي كانت فيها الحرب تفرض حضورها على المكان، كانت العدسة تلتقط شيئاً آخر وأعمق، الإنسان وهو يحاول أن يحتفظ بحصته من الحياة. وهكذا تحولت الصورة إلى لقاء بين نظرتين؛ نظرة من يعيش اللحظة ونظرة من يدرك قيمتها التاريخية. فلم توثّق هذه العدسات الدمار وحده، ولكنها التقطت أيضاً ما قاومه الدمار.
تركت الحرب اللبنانية وراءها آلاف الصور. صور شهداء وضحايا وجرحى ومبانٍ مهدمة وخطوط تماس ومتاريس ومشاهد قتال. وبين هذه الصور جميعها، ثمة صور أخرى تبدو أقل صخباً، لكنها ربما تساعدنا على فهم الحرب من زاوية مختلفة.
في واحدة منها، يسبح أشخاص في بحر جونية فيما تتصاعد أعمدة الدخان من سفينة مشتعلة في الأفق. وفي أخرى، تجلس امرأة على شرفة منزلها تحضّر الطعام فيما يقف الخراب خلفها. وفي صور أخرى، يبتسم عروسان للكاميرا خلف المتراس، أو تمشي شابة في شارع تملؤه البنادق والجنود.
قد تبدو هذه المشاهد متناقضة للوهلة الأولى. لكن التناقض ليس في الصور نفسها، بل في الطريقة التي اعتدنا بها تخيّل الحروب.
فنحن غالباً ما ننظر إلى الحرب باعتبارها قوة قادرة على ابتلاع كل شيء دفعة واحدة. نتخيّل أنها عندما تندلع توقف الحياة بالكامل، وتحوّل البشر إلى مقاتلين أو ضحايا أو أرقام في نشرات الأخبار. غير أن التجارب الإنسانية أكثر تعقيداً من ذلك. فحتى في أكثر الأزمنة عنفاً، لا يتوقف الناس عن البحث عن أشكال الاستمرار الممكنة.
تستطيع الحرب أن تقتل وتدمّر وتهجّر. تستطيع أن تفرض الخوف والقلق وأن تغيّر مصير أفراد وجماعات بأكملها. لكنها لا تنجح دائماً في احتلال العالم الإنساني كله. يبقى هناك مجال لا تستطيع السيطرة عليه بصورة كاملة؛ مجال تصنعه العادات اليومية والروابط العائلية والأحلام المؤجلة والرغبة في الحفاظ على شيء من الإيقاع الطبيعي للحياة.
ومن هنا تكتسب هذه الصور معناها الأعمق. فهي لا تُظهر أشخاصاً يتجاهلون الحرب، إنما أشخاصاً يرفضون أن يجعلوا الحرب المرجع الوحيد لوجودهم. العروس التي تقف خلف المتراس لا تنكر الواقع الذي يحيط بها، لكنها تتمسك بحقها في أن يكون لحياتها مستقبل. والمرأة التي تعدّ الطعام وسط الخراب لا تمارس فعلاً عادياً فحسب، بل تحافظ على استمرارية عالمها اليومي. أما الذين يسبحون فيما الدخان يتصاعد في الأفق، فهم يذكّرون بأن الحياة لا تتوقف بالكامل حتى عندما يخيّم الخطر فوقها.
فالإنسان لا يعيش بالأحداث الكبرى وحدها. حياته تُبنى أيضاً من تفاصيل صغيرة ومتكررة كفنجان قهوة في الصباح، حديث عائلي حول المائدة، موعد ينتظره، مشروع يحلم بتحقيقه، أو احتفال يؤجل ثم يعود. هذه التفاصيل قد تبدو هامشية في أوقات السلم، لكنها في أزمنة الحرب تتحول إلى عناصر أساسية في حماية المعنى من الانهيار.
ولعل أكثر ما تكشفه هذه الصور هو أن الصراع الحقيقي يتحوّل من الأرض والسلطة والسلاح، إلى الصراع مع الزمن أيضاً. فالحرب تحاول أن تجعل كل يوم امتداداً للخوف، فيما يسعى البشر إلى إعادة بناء زمنهم الخاص؛ زمن العمل والعائلة والصداقة والحب والأمل. ولهذا يصبح إعداد الطعام أو الذهاب إلى العمل أو إقامة زفاف أفعالاً تتجاوز وظيفتها المباشرة، لأنها تعيد تثبيت الإحساس بأن المستقبل ما زال ممكناً.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الصور اليوم. فهي لا تروي فقط ما فعلته الحرب بلبنان، لأنها تروي حقيقة أبعد تؤكّد من خلالها ما عجزت الحرب عن فعله. تروي حدود القوة وحدود العنف وحدود الخوف. وتظهر أن الإنسان، حتى في أكثر الظروف قسوة، يبحث دائماً عن مساحة يحافظ فيها على إنسانيته وعلى المعاني التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.
وبالعودة إلى هذه الصور، ليس الهدف شيطنة الحرب أو تجاهل مآسيها. فللحرب مناضلوها وشهداؤها وضحاياها ومقاتلوها وجراحها العميقة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة اللبنانية. وكثيرون انخرطوا في جولات القتال انطلاقاً من مسؤولياتهم الوطنية ودفاعاً عن "القضية اللبنانية" في تلك المرحلة. غير أن هذه الصور تذكّرنا أيضاً بأن الذين عاشوا تلك السنوات، سواء كانوا على الجبهات أو بعيداً عنها، لم يكونوا أبناء الحرب وحدها، ولكن أبناء حياة حاولوا التمسك بها ضمن حدود الممكن والمتاح.
ولهذا تبقى هذه الصور، بعد عقود، أكثر من مجرد وثائق تاريخية. إنها شهادات أيقونية على أن العنف، مهما بدا شاملاً، لا يمتلك سيطرة مطلقة على العالم الإنساني. فهناك دائماً شيء يفلت منه: ضحكة عابرة، وجبة عائلية، موعد مؤجل، زفاف يُقام، أو حلم صغير يصرّ صاحبه على الاحتفاظ به.
وحين ننظر إلى هذه الصور اليوم، لا نرى فقط حرباً مضت. نرى بشراً حاولوا، وسط الخراب، أن يحافظوا على إيقاع أيامهم وعلى المعاني التي تجعل الحياة قابلة للعيش. ولهذا لا تشهد هذه الصور على قوة الحرب بقدر ما تشهد على حدودها. فهي تذكّرنا بأن الإنسان، حتى عندما يُحاصر بالخوف، يبحث دائماً عن طريقة ليبقى أكثر من مجرد ناجٍ؛ يبحث عن طريقة ليبقى إنساناً.