أوروبا وروسيا... وتحدي رأب الصدع
في عالم يشهد تحولات سريعة على وقع الفوضى التي يشهدها العالم، تبحث أوروبا التي يزداد الشرخ بينها وبين الولايات المتحدة منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل نحو عام ونصف عام، عن موقع لها في الصراع على النفوذ والحفاظ على ما تبقى لها من مكانة في نظام دولي جديد، يتشكل على وقع المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.
كان للحرب الروسية-الأوكرانية التي اندلعت قبل أكثر من أربعة أعوام، كبير الأثر على التراجع في موقع أوروبا، كقارة، عرفت عقوداً من التعاون مع روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991. أدى انتهاء الحرب الباردة إلى ازدهارٍ كبير في الاقتصادات الأوروبية من ناحية، وإلى تراجع الإنفاق الدفاعي من ناحية ثانية. ودول أوروبية كثيرة، استغنت عن الخدمة الإلزامية وبرامج عسكرية، لمصلحة النمو الاقتصادي. دول أوروبا الغربية، ولا سيما منها ألمانيا، اعتمدت على النفط والغاز الروسيين، لدفع عجلة اقتصادها والبقاء منافساً قوياً مع الولايات المتحدة والصين، ونالت روسيا قسطاً وافراً من الاستثمارات الأجنبية مستفيدة من المقعد الذي أتيح لها في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، قبل أن تجمد عضويتها عقب غزو شبه جزيرة القرم عام 2014.
وحدث التحول الأكبر في 24 شباط/ فبراير 2022، مع الهجوم الروسي على أوكرانيا، وسط قلق الكرملين من انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي اعتبره تهديداً للأمن القومي وخطاً أحمر، لا يجوز للغرب اجتيازه والدخول في عمق الفضاء الروسي.
أحدثت الحرب شرخاً كبيراً بين روسيا والدول الأوروبية، التي ردت بالتحول عن استيراد الطاقة من روسيا إلى مصادر أخرى، على رغم دفعها تكلفة أكبر، وانعكاس ذلك على مستويات التضخم وبطء عجلة النمو في اقتصاداتها. أما روسيا، فاستدارت نحو آسيا، وخصوصاً الصين والهند، اللتين شكلتا لها بديلاً من السوق الأوروبية.