أوروبا تعود إلى سوريا... وتختبر دور دمشق في الممرّات واللاجئين وأمن المتوسط
لا تنظر أوروبا إلى سوريا الجديدة من بوابة السياسة وحدها؛ فالموقع الاستراتيجي لدمشق عاد إلى قلب الحسابات الأوروبية، من الممرات والطاقة إلى اللاجئين وأمن المتوسط. خلال أشهر قليلة، انتقل الملف السوري من الإغاثة والعقوبات إلى خرائط العبور والضبط الإقليمي: زيارات أوروبية رفيعة إلى دمشق، وحضور الرئيس أحمد الشرع في برلين ولندن وقبرص، ثم وصول وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بروكسل، أمس الاثنين، لإطلاق أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا الجديدة.
لا ينفصل هذا التحول عن تداعيات حرب إيران، وقلق الملاحة في مضيق هرمز، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. فبروكسل بدأت تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من توازنات شرق المتوسط وخطوط العبور الإقليمية. لذلك، جاء الاجتماع ضمن محاولة أوروبية أوسع لإعادة إدخال دمشق في ترتيبات الاستقرار والتجارة والطاقة في المنطقة.
من العزل إلى "الاعتراف الوظيفي"
من هذه الزاوية، يكتسب قرار إعادة التطبيق الكامل لاتفاقية التعاون السورية-الأوروبية أهميته الفعلية. فالاتفاقية التي وقعها الطرفان عام 1977، وبدأ العمل بها عام 1978، لا تفتح وحدها باب الازدهار الاقتصادي، ولا تعيد التجارة فوراً إلى ما كانت عليه قبل تعليقها عام 2011. لكنها تمنح الانفتاح إطاراً قانونياً وسياسياً، وتنقل سوريا من خانة العزل المؤسسي الأوروبي إلى خانة الشريك القابل للتعامل، من دون شيك سياسي مفتوح.
تريد أوروبا من دمشق أكثر من خطاب جيد عن التعافي. تريد دولة تعمل: تضبط الحدود، وتخفف دوافع الهجرة، وتكافح الإرهاب والتهريب والمخدرات، وتبني مؤسسات يمر عبرها المال الأوروبي من دون أن يتحول إلى ريع سياسي جديد. لذلك، لا يبدو التمويل جائزة مجانية، بل أداة تأثير: مال وتجارة وخبرة مؤسساتية مقابل حوكمة ومساءلة وقضاء أقل خضوعاً وأجهزة أمن أكثر انضباطاً.
هنا تتقدم فكرة "الاعتراف الوظيفي" من قلب الانفتاح الأوروبي. فبروكسل لا تتعامل مع دمشق بوصفها حليفاً ناجزاً، بل بوصفها عنواناً ضرورياً لإدارة ملفات لا تنتظر اكتمال التفاهم السياسي: اللاجئون، الأمن، الطاقة، التجارة، وإعادة الإعمار. المطلوب أوروبياً دولة تضبط موجات النزوح وحدود المخدرات والسلاح، وتمنع تحول سوريا إلى فراغ مفتوح على تنازع القوى الإقليمية.
التقطت دمشق الرسالة، وحاولت أن تجيب بلغتها. قال الشيباني إن سوريا لا تطلب من العالم إدارة مستقبلها نيابة عنها، بل تريد شراكات تقوم على المصالح المتبادلة والاستقرار طويل الأمد. تختصر هذه العبارة ما تريده السلطة الجديدة، ألا وهو الخروج من موقع متلقي المساعدات إلى موقع الشريك، ومن صفة البلد المنهك إلى صفة الدولة التي تمتلك موقعاً يصلح لربط الخليج بالمتوسط وأوروبا.
غير أن الموقع وحده لا يصنع دوراً. فممرات الطاقة والتجارة تحتاج إلى بيئة مستقرة، وقواعد واضحة، ومؤسسات قادرة على تحويل الجغرافيا إلى قيمة سياسية واقتصادية. تستطيع دمشق أن تعرض موقعها على خرائط الربط الإقليمي، لكن أوروبا ستقيس هذا العرض بقدرته على إنتاج استقرار عملي وطريق آمن وشركاء قادرين على إدارة الأرض، لا الاكتفاء بتمثيلها السياسي.

سوريا بين أوروبا وتركيا وإسرائيل
وتتسع هذه القراءة من الداخل السوري إلى جواره المباشر. فلبنان يحضر في خلفية بروكسل من بوابتي اللاجئين والأمن. أي تعافٍ سوري مقنع سيعيد فتح سؤال العودة في بلد تحول فيه النزوح إلى عبء دائم، فيما منحت إشارة الشيباني إلى سلاح خارج سيادة الدولة في لبنان دمشق فرصة لتقديم نفسها طرفاً في ترتيب الاستقرار الإقليمي، لا مجرد سلطة تطلب التمويل.
ومع دخول أوروبا على خط إعادة تعريف موقع دمشق، تصبح حسابات تركيا وإسرائيل جزءاً من المعادلة، لا سياقاً موازياً. فأنقرة ترى في الانفتاح الأوروبي فرصة لتثبيت السلطة الجديدة وتسريع الإعمار وعودة اللاجئين، لكنها تتحسب من حضور يحد من نفوذها في الشمال. أما إسرائيل، فتراقب في الجنوب أي مسار يقلص هامش الحركة الذي راكمته خلال سنوات الحرب، أو يعيد رسم التوازن بينها وبين تركيا.
لهذا، لا تسعى أوروبا إلى رسم خرائط سيادية جديدة، بل إلى التأثير في خرائط النفوذ والممرات. تريد سوريا دولة لا ساحة مفتوحة، لكن ضمن توازنات دقيقة بين النفوذ التركي المتنامي، والقلق الإسرائيلي، والفراغ الذي قد تستثمره إيران أو شبكات التهريب. سوريا المطلوبة أوروبياً قوية بما يكفي لمنع الفوضى، ومشروطة بما يكفي كي لا تتحول إلى مركز مستقل تماماً عن الحسابات الأوروبية.
هنا يظهر اجتماع بروكسل كمنعطف في العلاقة بين الجانبين. أوروبا لا تعود إلى سوريا القديمة، ودمشق لا تدخل أوروبا من الباب القديم. العلاقة الجديدة تقوم على تبادل واضح: مال وتجارة ومظلة سياسية مقابل ضبط ومؤسسات وعودة لاجئين وشراكة في أمن المتوسط. وإذا صحت المعلومات عن احتمال حضور الشرع عشاءً مرتبطاً بحلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا، فإن المؤشر يصبح أوسع من الاتحاد الأوروبي نفسه، ويفتح الباب أمام قراءة سورية داخل التشاور الأمني الغربي، لا داخل ملف التعافي وحده.
في المحصلة، تتجاوز بروكسل معناها السوري المباشر. فهي تفتح نافذة على شكل التوازنات المقبلة في شرق المتوسط: موقع سوريا بين أوروبا وتركيا وإسرائيل، أثر التعافي على لبنان وملف اللاجئين، وحدود قدرة الداخل السوري على حمل هذا الدور الجديد. فإذا نجحت دمشق في تحويل الانفتاح الخارجي إلى استقرار داخلي، قد تصبح الجغرافيا السورية ورقة في هندسة أوسع للمنطقة. أما إذا بقي الداخل هشاً، فستتحول الشراكة نفسها إلى أداة لاحتواء المخاطر أكثر من كونها بداية اندماج حقيقي.