أوروبا تزداد حرارة... لماذا؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

صارت موجات الحر في أوروبا خبراً دائماً لأعوام متتالية، في دليل على أن القارة العجوز تدخل منطقةً مناخية مختلفة. تقول بيانات مرصد "كوبيرنيكوس" الأوروبي والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً في العالم؛ إذ ترتفع حرارتها أكثر من ضعفي المتوسط العالمي: بلغت درجة الاحترار فيها نحو 2.5 درجة مئوية مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، فيما يقف الاحترار العالمي عند عتبة 1.4 درجة تقريباً. 

 

لماذا أوروبا تحديداً؟ 

الفرضية الأساسية التي يرسمها علم المناخ واضحة: ما عادت موجات الحر ناتجةً من "طقس سيئ بشكل موقت" أو من "كتلة هوائية عابرة". يتحدث مرصد "كوبرنيكوس" عما يسمى "سلوك التيار النفاث والانحباس الجوي" (Atmospheric Blocking). التيار النفاث شريط من الرياح القوية التي تتحرك من الغرب إلى الشرق في طبقات الجو العليا، وهو المسؤول عن توجيه أنظمة الطقس في نصف الكرة الشمالي. بسبب الاحترار العالمي، يميل هذا التيار في الصيف إلى الانقسام إلى جزأين، أو يتباطأ ليتحول إلى أمواج متعرجة وثابتة. هذا السلوك يخلق منطقة من الضغط المرتفع المستمر فوق أوروبا، تعمل كـ"قبة حرارية" تحبس الهواء الساخن القادم من شمال إفريقيا وتمنع الكتل الهوائية الباردة والمطيرة من الدخول. فتسخن الأرض نهاراً ولا تبرد بما يكفي ليلاً. هذه الآلية ليست جديدة، فما الذي استجد؟ الجواب سهل منطقياً وعلمياً: "القبة الحرارية تعمل فوق قاعدة مناخية أشد سخونة أصلاً".

للتسارع الحراري الأوروبي أسباب عدة: الأول، اليابسة تسخن أسرع من البحار. فالماء يمتص الحرارة ويخزنها ويتبخر، بينما تفقد اليابسة رطوبتها سريعاً وتتحول إلى "صفيح ساخن" يُعيد بث الحرارة إلى الغلاف الجوي. وأوروبا، خلافاً لقارات أخرى، تتأثر شديداً بهذا التباين بين اليابسة والبحر، خصوصاً في الغرب والجنوب، حيث تلتقي الكتل الهوائية الحارة القادمة من شمال أفريقيا والبحر المتوسط مع مدنٍ كثيفة السكان وبنىً إسمنتية واسعة.

السبب الثاني هو تراجع الثلوج والجليد، أو ما يسميه علماء المناخ "التضخيم القطبي" (Arctic Amplification). فالقطب الشمالي، على أعتاب أوروبا الشمالية، يسخن أسرع بأربع مرات من باقي العالم. هذا الاحترار القطبي السريع يقلل من فارق درجات الحرارة بين خط الاستواء والقطب. وهذا الفارق هو المحرك الأساسي لقوة الرياح العالمية. عندما يضعف، تصبح أنظمة الطقس الصيفية في أوروبا "عالقة" فترات طويلة، ما يحول موجة الحر من حدثٍ مدته يومان إلى أسبوعين من المعاناة المستمرة.

إلى ذلك، أنتج ذوبان الغطاء الثلجي في جبال الألب وشمال أوروبا والمناطق القطبية الأوروبية تراجعاً في قدرة سطح الأرض على عكس أشعة الشمس. الثلج الأبيض يعكس، أما الأرض الداكنة والمياه المكشوفة فتمتص. 

 

فرنسيون يبتردون في مياه قناة سان مارتان بسبب موجة الحر التي تضرب فرنسا، 25 يونيو 2026. (فرانس برس)

 

السبب الثالث هو تحسن جودة الهواء. ففي العقود الماضية، خفّضت أوروبا كثيراً من ملوثات الهواء والجسيمات الدقيقة التي كانت تعكس جزءاً من أشعة الشمس إلى الفضاء. وهذا إنجاز صحي وبيئي مهم، لأنه أنقذ أرواحاً كثيرة وخفف من حدة الأمراض التنفسية، لكنه أزال جزءاً من "القناع التبريدي" الذي كان يخفي بعض الاحترار الناتج من الغازات الدفيئة. بتعبير آخر، أوروبا نظفت هواءها، لكن العالم لم يوقف انبعاثاته، فظهر الاحترار بوضوح أكبر.

السبب الرابع هو البحر المتوسط. فهذا البحر شبه المغلق يسخن بسرعة، وحين ترتفع حرارة سطحه، يزداد بخار الماء في الهواء. والهواء الحار الرطب أخطر على جسم الإنسان من الهواء الحار الجاف، لأن التعرق يصبح أقل فعالية. لهذا تبدو الليالي الحارة، أو "الليالي المدارية"، بحرارة فوق 20 درجة مؤشراً قاتلاً لا مجرد تفصيل مزعج.

 

ماذا يتنبأ علم المناخ لمستقبل أوروبا؟ 

لا مفرّ من الاعتراف باستحالة عودة أوروبا إلى صيف القرن العشرين. فحتى لو نجح العالم في الحد من الاحترار، ستظل موجات الحر أكثر تواتراً وأشدّ مما كانت عليه. أما إذا استمرت الانبعاثات، فسيصبح ما نعدّه اليوم موجة استثنائية حدثاً أكثر اعتياداً. 

إن الفارق بين عالم عند 1.5 درجة وعالم عند درجتين أو ثلاث ليس رقماً يمرّ مرور الكرام، إنما يترجم في عدد أيام عمل مفقودة، وعدد وفيات إضافية، وعدد محاصيل محترقة، وعدد ليالٍ لا ينام فيها الناس.

 

امرأة تستظل شجرة في يوم حار بساحة المدينة القديمة في براغ، جمهورية التشيك، 27 يونيو 2026. (فرانس برس)

 

إلى ذلك، بدأ الصيف الأوروبي يتمدد على حساب فصلي الربيع والخريف. لم يعد الأمر مقتصراً على شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس، بل تبدأ موجات الحر الشديدة في حزيران/يونيو وتمتد حتى أيلول/سبتمبر.

لكن علم المناخ لا يقول إن الكارثة قدر لا هروب منه. فهناك مساران لا بد منهما معاً: التخفيف والتكيّف. التخفيف يعني خفض الانبعاثات بسرعة، والتوقف عن بناء اقتصاد عالمي على حرق الفحم والنفط والغاز كما لو أن الغلاف الجوي مستودع مجاني للنفايات؛ والتكيّف يعني إعادة تصميم المدن للحياة في حر جديد: مزيد من الأشجار والظل، أسطح عاكسة، عزل حراري أفضل، مراكز تبريد عامة، إنذارات مبكرة، تعديل ساعات العمل، حماية كبار السن، واستثمار جدي في بنية تحتية لا تنهار عند أول قيظ.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية