أوتيتِ رُشدًا يا رشيدة

رشيدة هذه لا أعرفها رسمًا، ولا عرفتُها اسمًا إلا بعد أيام معدودات، ولم أرَها إلى حدّ الآن لا يقظة ولا مناما، وكلُّ ما عرفتُه عنها أنها امرأة أصلها جزائري، وجنسيتُها فرنسية، تمتهن التمثيل وكتابة الروايات أو القصص، ولا أعرف توجُّهَها الإيديولوجي، وأرجِّح أنها ما تزال تعتنق الإسلام الفطري لا الإسلام الفكري، لأنّ كثيرا ممّن استهوتهم فرنسا تخلّوا عن أسمائهم العربية، أو حرّفوا أسماءهم لتشبه الأسماء الأجنبية.
أحيي هذه المرأة لا على أدوارها في المسرح والسينما، لأنني أؤمن أنّ ذلك التمثيل هو أحد منافذ الشيطان لإفساد الإنسان، ولأنني لستُ من المهتمّين بهذا المجال، كما أنّني لا أهتمّ بما تكتبه من قصص وروايات، فما عدتُ أهتمّ بهذا النوع من الكتابات منذ تخطّيتُ سنَّ المراهقة البيولوجية والفكرية.
ولكنّني أحيّي رشيدة براكني، لأنها وقفت موقفا شريفا، نزَعَها إليه قطراتٌ من دماء أسلافها الجزائريين، وهذا الموقفُ أعتبره صفعةً على خدِّ الدولة المسماة فرنسا ذات الماضي الأسود، وهي تحترف مخادعة البُلَّهِ من الناس في هذا العالم كلّه بثلاثيتها “حرية، إخاء، مساواة”، كثلاثيتها في دينها “الأب، والابن، والروح القُدس”.
رشيدة اصطفاها المسئولون في هذه الدولة المسماة فرنسا لمنحها “وسام جوقة الشرف” بمناسبة 14 جويلية، وهو عيدُ فرنسا الرّسمي، وكم نال هذا الوسامَ من مجرمي فرنسا!
برّرت رشيدة رفضها لهذا الوسام الذي يُمنح بسخاء لـ”الأفضل” في تقدير المسئولين الفرنسيين، ولكنه يُمنح غالبا للأسوأ، لأنّ شرفها، كما تقول: “يوجد في مكان آخر”. وأضافت “لو قبلتُ هذا الوسام فإنني سأفقدُ نفسي، وسأفقد احترام الأشخاص الذين تهمّني مكانتُهم أكثر من أرفع وسام”. (جريدة الخبر في 16/7/2026 ص23).
أيُّ شرفٍ لهذه الدولة وكثير مما تتمتّع به هو خيراتٌ مسروقة من شعوب العالم في مشرقه ومغربه؟
أيُّ شرف لهذه الدولة وهي التي قامت على انتهاك شرف الناس جميعا وأشتاتا؟
أيُّ شرفٍ لهذه الدولة وهي تهين شرف الإنسان، فتحتفظ بجماجم أبطالٍ في متحفها الذي تسمّيه وقاحةً “متحف الإنسان”؟
أيُّ شرفٍ لهذه الدولة التي سمّاها أبناؤُها “الدولة السارقة”؟ (شارل روبير آجرون: تاريخ الجزائر المعاصرة. ج2. ص180 من الترجمة العربية. ج2. ص111 من النسخة الفرنسية).
إنّ رشيدة برفضها وسام فرنسا قد أحيت سُنّة جزائريين هما المجاهد المقراني والإمام أمحمّد طفيّش، فالأول علّق وسام فرنسا في ذيل حصانه، والثاني علّق وسام فرنسا في أسفل برنوسه. فشكرًا يا رشيدة على رفضك لوسام لا يشرّف حاملَه، وشكرا على مساندتك للقضية الفلسطينية العادلة.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post أوتيتِ رُشدًا يا رشيدة appeared first on الشروق أونلاين.