أهنّئ حياتكَ يا زياد لأنّها لا تموت

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} في 26 تمّوز/يوليو 2025، "قرّرتَ"، يا زياد بن عاصي وفيروز، أنْ تضع حدًّا لموتكَ المترهّل؛ موتكَ البطيء، القاسي، واللئيم.

فجيعتكَ تلك، لم تكن قرارًا. كانت نتيجة.

فأنتَ، طوال أعوامٍ مديدة، ما تراجعتَ يومًا عن موتكَ؛ فقد كنتَ راضيًا به، مستسلمًا له، وملمًّا بالأعطاب الروحيّة، وبالأقدار التي لا مفرّ منها، ولا جدوى من معاندتها.

هذا ما قاله لنا، بانتباهه الشعريّ، ليلَ أمس، صديقنا المشترك محمّد سويد. كنّا نتحدّث عنكَ، ثلاثتنا، صحبةَ محمّد أبي سمرا، المنتبه الآخر. لم نستحضركَ، فقد كنتَ حاضرًا بقوّة، بالخفّة التي تشتهيها، بذكائكَ الشرِس، بجحيميّتكَ، وبضحكتكَ المرّة، والطازجة.

ويا لكَ حاضرًا، الآن، في هول الفجوة السحيقة التي تلتهمنا جميعًا.

أنتَ، يا زياد، لم تتراجع يومًا عن الحياة؛ لا عن الحياة بالموسيقى، ولا عن الحياة بالمسرح، ولا عن الحياة بالموقف والرأي، ولا تراجعتَ عن سخاء الحياة بعيشها حتّى الحذافير

والثمالات، فكيف تتراجع عن الموت المعتِم، وإنْ يكن وحشًا. يا له من موتٍ ومعتِمٍ ووحش.

وأنتَ، يا زياد، لم تتراجع عن الحفر في البداهة، في الموهبة، في الرؤيا، في الشجاعة، وفي الخروج على السائد والسافل أينما كان، وعن الحفر في الفنّ، وفي الواقع، كما في اللّامعقول، واللّامتوقع، فكيف تتراجع عن تسطير النوطة الأخيرة للموت، وكتابة المشهد الأخير، وتنزيل الحشرجات الأوركستراليّة الفذّة، بتسليم البدن والروح عن تسعة وستّين عامًا.

إنّي لا أرثيكَ. بل أنصت إليكَ. وأتابعكَ. وأعيشكَ. وأموتكَ. فلا أتراجع عن حياتكَ. ولا أتراجع عن موتكَ. وإنْ أختلف الناس في الحياة، والتقوا في الموت.

إنّي لا أرثيكَ، بل أعزّيكَ، لأنّكَ لم تتراجع عن موتكَ، حين وضعتَ حدًّا له.

وإنّي أعزّي فيروز. وريما. وأدعو لهما برحابات العمر.

وأهنّئ ليال. وعاصي. وهلي. لأنّهم ليسوا هنا. وهم دائمًا هنا.

للسبب نفسه، يا زياد، أعزّي مريديكَ، وأهنّئهم، وهم عشّاقكَ، وعشيقاتكَ، في الأوطان، وفي المهاجر، كما في المقابر الغفيرة.

وأعزّي، بل أهنّئ حياتكَ، يا زياد بن فيروز وعاصي، لأنّها – حياتكَ - ولا تموت. وسلامي إليكَ.

كلام الصورة: توليف للفنّان منصور الهبر.
اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية