أندية الشركات والأندية الشعبية... زواج مصلحة أم شهادة وفاة؟
تستيقظ جماهير الكرة المصرية كل صباحٍ على واقعٍ جديد تتبدل فيه موازين القوى، بحيث تبرز أندية الشركات والكيانات الخاصة التي ولدت بـ"أسنان ذهبية" لتفرض سيطرتها فنياً ومادياً، في مقابل قلاعٍ شعبية تاريخية باتت تصارع من أجل البقاء تحت وطأة الديون الخانقة وتراجع الموارد. هذا المشهد المعقد جعل من فكرة "الدمج" بين أندية الشركات والأندية الجماهيرية ليس مجرد ترفٍ فكري فحسب، بل ضرورة ملحة و"طوق نجاة" يُطرح بقوة حالياً لتطبيقه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يطوي النسيان أسماءً صنعت تاريخ الكرة المصرية، والتي ستشبه حال تطبيقها "العملة ذات الوجهين".
الجانب المشرق فيها، هي الإيجابيات التي يحملها هذا التوجه، والتي تكمن في تقديم "قبلة حياةٍ" اقتصادية للأندية المنهارة، فالدمج يعني بالضرورة إنهاء عصر "تبرعات المحبين" والاعتماد على ميزانياتٍ مؤسسية ضخمة تضمن الاستقرار المالي ودفع المستحقات، بل توفير السيولة اللازمة لاستقطاب صفقاتٍ "سوبر" تليق بطموح الجماهير للعودة من جديد إلى واجهة المنافسة. فلو نظرنا إلى القيمة السوقية لأنديةٍ مثل سيراميكا كليوباترا أو البنك الأهلي، سنجدها تتفوق بمراحلٍ على أنديةٍ عريقة كالإسماعيلي أو الاتحاد السكندري، مما يوضح أن الفجوة لم تعد فنيةً داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت فجوةً اقتصادية بحتة في مكاتب التعاقدات.

وعلى رغم هذه المكاسب المادية، إلا أن هناك مخاوف مشروعة من تحول هذا الزواج إلى "شهادة وفاة" للهوية التاريخية. فالخطر الحقيقي يكمن في طمس معالم النادي الجماهيري تحت مسمياتٍ تجارية أو تحويله إلى مجرد "فرعٍ" إعلاني لشركةٍ كبرى، وهو ما قد يفصل النادي عن جذوره الجغرافية وقاعدته الشعبية. فالمشجع الذي ارتبط وجدانياً بلون قميصٍ معين وهتافس محدد لمدينته، قد يجد نفسه غريباً أمام كيانٍ جديد جاف لا يرى في كرة القدم سوى أرقامٍ في الميزانية السنوية، مما يهدد بتحويل اللعبة من شغفٍ وطني إلى صناعةٍ استهلاكية بحتة.
لكن عند النظر إلى النماذج الإقليمية، نجد أن تجربة الدمج قد أثبتت نجاحاً فنياً كبيراً في بعض الدوريات العربية، كما حدث في قطر حين اندمج ناديا لخويا والجيش ليولّد عملاقاً يسمى "الدحيل"، أو في الإمارات مع تجربة "شباب الأهلي دبي" التي خلقت كياناً اقتصادياً ورياضياً مهيباً. إلا أن النموذج السعودي يظل الأقرب الى المنطق المصري، إذ حافظت الأندية الشعبية على أسمائها وألوانها وتاريخها، مع انتقال ملكيتها الى كياناتٍ اقتصادية ضخمة، وهو ما يضمن "الاحترافية في الإدارة" مع "الحفاظ على الهوية"، وهي المعادلة الصعبة التي تحتاجها الكرة المصرية حالياً.
وهذا ما يكشف أن إنقاذ قلاعٍ مثل الإسماعيلي أو الاتحاد السكندري وحمايتها من الاندثار لعدم اللحاق بمصير أنديةٍ مثل المنصورة، طنطا، أو السويس، يتطلب شجاعةً في صياغة قوانينٍ رياضية جديدة تتيح الاستثمار من دون المساس بالثوابت. الدمج لا يعني بالضرورة محو التاريخ، بل هو محاولة لترميم هذا التاريخ بأموال الحداثة، شرط أن يظلّ المشجع هو "المالك الروحي" للنادي، وتكتفي الشركة بدور "المحرك الاقتصادي" الذي يضمن بقاء النادي صامداً في وجه أمواج الاحتراف العاتية أو حتى إعادة البعض إلى الواجهة من جديد.