"أنا وغيفارا"... الثورة تعود لتسأل أصحابها (فيديو)
بعد عشرين عاماً على مسرحية "تشي غيفارا"، يعيد الأخوان فريد وماهر الصبّاغ كتابة العمل من جديد، لا لاستعادة صورة الثائر الأيقونة، بل لإعادة النظر في الثورة والعدالة والإنسان خلف "الأسطورة".
ربما لا تحتاج الشخصيات التي تحوّلت إلى أيقونات إلى مزيد من التمجيد، بقدر ما تحتاج إلى أن تنزل من الملصق إلى الخشبة، ومن الأسطورة إلى السؤال. هكذا يعود تشي غيفارا، بعد عشرين عاماً، في مسرحية "أنا وغيفارا"، لكن بعينين مختلفتين، عينَي الكاتبين اللذين تغيّرا، وعين جمهور تغيّر أيضاً.
بين "تشي غيفارا" التي قُدّمت قبل عقدين و"أنا وغيفارا" اليوم، لم يتغيّر العالم وحده، بل تغيّرت نظرة أصحاب العمل إلى الشخصية نفسها. لذلك لم تكن إعادة تقديم النص القديم كافية، وكان لا بد من إعادة كتابته.
في مقابلة أجرتها الزميلة باميلا شاهين تزامناً مع العرض الأخير للمسرحية على "مسرح جورج الخامس- أدونيس"، تنقل عن فريد الصبّاغ قوله إن التجربة تمثّل تحدّياً استثنائياً، إذ "يمكن، ربما للمرة الأولى، أن يعيد كاتب كتابة مسرحية سبق أن كتبها قبل عشرين عاماً، ولكن بنضج جديد اكتسبه خلال هذه السنوات".
View this post on Instagram
في النسخة الجديدة، التي يشارك في بطولتها الأخوان الصبّاغ إلى جانب نادين الراسي، وكارين رميا، وأنطوانيت عقيقي، وريمون صليبا، وجوزيف أصاف، ورفيق فخري، وألان العيلي، يصبح غيفارا شخصية يمكن الإعجاب بها ومساءلتها في الوقت نفسه.
"لا أحد أيقونة في النهاية"، يقول الصبّاغ، مشيراً إلى أنّ كل إنسان، مهما بلغت مكانته، معرّض للخطأ. ومن هنا لم يتجنّب العمل الجانب الذي يختلف فيه مع غيفارا، ولا سيّما إيمانه بمنطق القوّة وأحكام الإعدام: "إن كنت تؤمن بالعدالة الاجتماعية، لا يمكنك أن تحاكم شخصاً آخر"، يقول، في واحدة من أكثر نقاط العمل وضوحاً في علاقته بشخصية غيفارا.

من الأيقونة إلى الإنسان...
في المسرحية، لا يظهر غيفارا منفصلاً عن الأشخاص الذين صنعوا محيطه وحياته. ومن خلال أربع شخصيات نسائية تؤدّيها نادين الراسي، تتعدّد صور المرأة في عالمه، بين الحب والثورة والسياسة والإيمان.
وفي شخصية مريم العذراء تحديداً، تدخل الراسي إلى منطقة مختلفة من التجربة. تقول: "عندما أؤدي شخصية مريم العذراء، أشعر بأنني أتحدث مع أولادي". أما الإضاءة والمسرح والحوار، فكانت، بحسبها، عناصر أساسية في مساعدتها على بناء هذه الشخصية وإيصالها إلى الجمهور.

لكن الراسي لا تفصل بين الدور والمسرح نفسه. بالنسبة إليها، الخشبة مساحة لا تتكرر: "المسرح هو وجود". كل عرض له جمهوره وأرواحه ولحظته، ولا يمكن للممثل أن يتعامل مع العرض الأخير باعتباره أقل أهمية من الأول. والخوف جزء من هذه المسؤولية.
وترى الراسي أن ما يحدث خلف الستار لا يقل أهمية عما يراه الجمهور فوقه. فالممثلون لا يقفون في مواجهة بعضهم بعضاً، بل يعملون معاً كي يولد العرض: "نحن لا نتحدّى بعضنا، نحن جئنا لنتحدّى معاً لنولد شيئاً". الثقة والطاقة والضحكة واللقمة وفنجان القهوة، كلها بالنسبة إليها جزء من الحياة التي تصنع المسرح.

غيفارا في مرآة لبنان
من غيفارا، تعود المسرحية إلى لبنان. يستعيد الصبّاغ فكرة كتبها قبل سنوات من ثورة 2019، ومفادها أن الثورة في بلد مبنيّ على الانقسامات تحتاج إلى قوّة أقوى من كل الانتماءات الأخرى كي تنجح: قوة الانتماء إلى الوطن.
يقول: "من المستحيل أن يصنع الإنسان ثورة في بلد مبنيّ على الاختلاف، إلا إن كانت هناك قوّة أقوى من هذه الانتماءات تدفع الشعب إلى بناء وطن". وفي لبنان، برأيه، بقيت الانتماءات الطائفية والحزبية والعائلية أقوى من الانتماء الوطني.
أما الممثل ريمون صليبا، فيدخل إلى المسرحية من موقع المواطن العادي، حاملاً الكوميديا إلى قلب القضية. وعندما يُسأل إن كان لبنان يحتاج إلى غيفارا، يجيب: "نحن لا نحتاج إلى غيفارا، بل إلى أشخاص ليسوا لصوصاً ولا يبيعون البلد، بل يحبّون لبنان".
وفي نظره، يبقى غيفارا رمزاً "للحرية والثورة والانتفاضة على الخطأ والفساد والإقطاعية والتوريث السياسي"، لكن ذلك لا يعني أنه بلا عيوب، فـ"لا يوجد إنسان في الدنيا بلا عيوب".

العرض الأخير الذي قُدّم في هذه المرحلة لا يبدو نهاية نهائية لـ"أنا وغيفارا". يكشف فريد الصبّاغ عن مشاريع لعروض خارج لبنان وتحديداً في إحدى الدول العربية، وعن بحث جدّي لإقامة عروض في بيروت، في الحمرا، استجابة للطلب على المسرحية.
بعد عشرين عاماً، أعاد الأخوان الصبّاغ كتابة غيفارا، لكنهما أعادا، في مكان ما، قراءة نفسيهما أيضاً. تغيّرت نظرتهما كما تغيّرت الخشبة، وتغيّر العالم من حولهما. ويبقى السؤال مفتوحاً: ماذا يبقى من الثورة عندما تنتهي الشعارات، وماذا يستطيع الإنسان أن يفعل من أجل وطنه؟