أكثر من 200 طالب لبناني قتلوا في الاستهدافات الإسرائيلية... هذه قصص بعض من سُرقت أحلامهم
آلاء سلمان، محمد الجرمقي، دانييلا نعيم خليفة، حسن سامر دهيني، فضل ترحيني، ثيودوسيا وطوني كرم، زينب الجبلي، زهراء وحسين شكر وغيرهم... طلاب قضوا خلال الاستهدافات الاسرائيلية في الحرب الأخيرة. بقيت أحلامهم معلّقة مع صورهم ودمعة حارقة في قلوب عائلاتهم.
أكثر من 200 طالب لبناني قتلوا في الحرب الاسرائيلية منذ 2 آذار/مارس 2026، وفق ما أكدته مستشارة وزيرة التربية اللبنانية، الدكتورة جورجيا الهاشم في حديثها لـ"النهار". في لحظات خاطفة، خسرت عائلات أبناءها الذين كانوا يحملون أقلامهم ودفاترهم وأحلامهم، فيما كانت أصوات القذائف تعلو فوق كلّ شيء.
كانت الطالبة آلاء سلمان مثالاً للتفوق والطموح، إذ اعتادت أن تترك بصمتها في كل ما تقوم به. وقد تُوِّج تميّزها بحصولها على المرتبة الأولى على مستوى لبنان في الامتحانات الرسمية لشهادة الثانوية العامة – فرع الآداب والإنسانيات للعام الدراسي 2023- 2024. لكن مسيرتها الواعدة انتهت باكراً بعدما قتلتها إسرائيل في غارة استهدفت بلدتها معركة في جنوب لبنان.
تروي شقيقتها إسراء لـ"النهار" أن آلاء كانت شغوفة باللغة العربية إلى حدّ أنها كانت تصرّ على استخدام العربية في هاتفها الخلوي وفي كل مراسلاتها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن "اللغة العربية أجمل اللغات وأكثرها قدرة على التعبير".

لم يقتصر شغفها على اللغة، بل امتدّ إلى الكتابة والقراءة. كانت تكتب كلماتها وخطاباتها، وتدوّن أفكارها وقناعاتها في دفاتر خاصة تحتفظ بها، فيما كانت تحرص على شراء الكتب والروايات كلما استطاعت، لشغفها بهذا العالم. وتضيف إسراء "هي من زرعت في داخلي حب المطالعة، حتى أصبحت القراءة واحدة من أحب هواياتي".
عُرفت آلاء بشغفها العميق باللغة العربية، حتى إن كل من عرفها كان يشجعها على تأليف كتاب يحمل اسمها. ورغم عشقها للغة، اختارت دراسة وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات في الجامعة، وهو اختصاص وجدَت فيه مساحة تجمع بين شغفها بالكتابة والتعبير.
خلال سنوات دراستها، لم تكتفِ بالتحصيل الأكاديمي، بل عملت أيضاً على مساندة والديها. تروي شقيقتها إسراء "نجحت في العمل ضمن اختصاصها، وتولت إدارة صفحات عدة، وأثبتت تميزها وإبداعها في كل ما أوكل إليها".
لم تكن أحلام آلاء تقف عند هدف واحد، بل كانت ترى في كل إنجاز بدايةً لحلم جديد. وبرغم الحرب، لم تتوقف يوماً عن متابعة دراستها، وكان همّها الأكبر إنجاز مشروع تخرجها الذي بذلت فيه جهداً كبيراً. كانت تنتظر يوم مناقشته بفارغ الصبر، لتبدأ بعده رحلتها المهنية ولتحقق ما خططت له منذ سنوات.
رحلت آلاء قبل أن تحمل شهادتها الجامعية، لتصبح قصتها واحدة من مئات القصص لطلاب انقطعت مسيرتهم التعليمية بفعل الحرب.

100 ألف طفل في لبنان مهددون بالحرمان من التعليم
عملت وزارة التربية والتعليم العالي على توثيق حجم الأضرار ونسبة الدمار التي لحقت بالمدارس، وأصدرت بالتعاون مع منظمة اليونيسف تقريراً أشار إلى أن ما لا يقلّ عن 100 ألف طفل مهددون بعدم الالتحاق بالعام الدراسي المقبل في لبنان، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإعادة تأهيل المدارس المتضررة، التي يبلغ عددها نحو 340 مدرسة، بينها 17 مدرسة دُمرت بالكامل.
تلفت الهاشم إلى أن عدد الضحايا وحجم الدمار في القطاع التربوي يفوق بكثير ما سُجّل خلال الحرب السابقة، ما يعكس تصاعداً غير مسبوق في وتيرة العنف واتساع رقعة الدمار.
وتوضح بأنه مع تجدّد الحرب وموجات النزوح، أطلقت وزارة التربية تطبيقاً يحمل اسم "Temp App"، يضم قاعدة بيانات تشمل أسماء جميع الطلاب والأساتذة في المدارس اللبنانية. وطلبت الوزارة من مديري المدارس تحديث بياناتهم بصورة مستمرة، على أن يتضمن هذا التحديث أيضاً لوائح بالطلاب والأساتذة الذين استشهدوا خلال الحرب.
في هذا التحقيق، نروي قصص بعض هؤلاء الطلاب، وأحلامهم التي انقطعت، والأثر الذي تركوه رغم غيابهم، تكريماً لذكراهم ولكل ما أنجزوه، ولما كانوا يطمحون إلى تحقيقه، قبل أن تخطف الحرب الإسرائيلية حياتهم.
ملف خاص من "النهار": "التعليم تحت النار"
محمد الجرمقي : قُتل قبل أن يحقق شغفه في ملاعب كرة القدم
بين طموحٍ كان يكبر يوماً بعد يوم، وغدرِ قذيفةٍ أنهت كل شيء في لحظة، تختصر حكاية الطالب الشهيد محمد مصطفى الجرمقي (18 عاماً) وجع جيلٍ كامل. فبعد سنوات من المثابرة، تجاوز فيها صعوبات البدايات الدراسية، وجد مكانه في ثانوية الطليعة في زفتا، حيث اجتهد ليشق طريقه نحو مستقبله، حاملاً حلماً بسيطاً وكبيراً في آنٍ واحدٍ أن ينال شهادته ويواصل شغفه في ملاعب كرة القدم.
تروي شقيقته زهراء لـ"النهار" أن محمد "كان يسرق الوقت والجهد لينجح في دراسته وليلتحق بشغفه الأكبر، كرة القدم". ورغم مرارة النزوح وتقلباته، بقي قلبه معلقاً ببلدته وبيته، وكان يستغل كل "هدنة مزيفة" ليعود إليهما، متمسكاً بالأرض التي أحبها.

في أيامه الأخيرة، لم يتخلَّ عن حلمه. استأذن والديه ليتلقى دروساً خصوصية لدى معلمته استعداداً للامتحانات، مؤمناً بأن النجاح ما زال قريباً. لكن الطريق إلى الصف انتهت قبل أن يصل إلى الشهادة، وتحول في لحظة من طالب يحمل كتبه إلى ضحية جديدة للحرب.
تقول شقيقته "ارتقى محمد، وارتقى معه الحلم والحبر والورقة، تاركاً وراءه إصراراً منا على إكمال مسيرته العلمية".
نعت ثانوية الطليعة في زفتا طالبها، مشيرة إلى أنه كان يستعدّ للامتحانات حين باغتته الحرب، فرحل بين دفتي كتابٍ وقصفٍ لا يرحم، تاركاً في قلوب من عرفوه لوعة الفقد، وذكرى طالب لم يمهله الزمن ليكتب الفصل الأخير من أحلامه.

ثيودوسيا وطوني : الامتحانات القاتلة
لم تتمكن الطالبة الجامعية ثيودوسيا كرم، ابنة بلدة القليعة، من الاحتفال بتخرجها كما فعل زملاؤها. فقد كانت المسيّرة الإسرائيلية أسرع من أحلامها، لتنهي حياتها وحياة شقيقها طوني ووالدهما في استهداف دمّر سيارتهم على طريق الخردلي – مرجعيون.
كان لثيودوسيا حلم واضح رسمته منذ طفولتها. تروي خالتها جورجيت أبو متى لـ"النهار" أنها كانت تطمح إلى أن تصبح طبيبة قلب؛ فمنذ صغرها كانت مولعة بالتشريح والاكتشاف، وكانت تردّد دائماً سأصبح طبيبة، وسأرفع اسم عائلتي عالياً، وأريد أن أكون مثل والدي".
كان من المفترض أن ترتدي ثوب التخرج، لا أن تُزف إلى مثواها الأخير. وبين دموعها على ثيودوسيا وشقيقها ووالدهما، تستعيد خالتها صورة الشابة التي عشقت العلم والمعرفة، وتمسكت بقرارها البقاء في لبنان رغم كل الظروف، لأنها كانت تؤمن بهذا البلد وبأرضه.

تضيف "كانت تحب اسمها كثيراً، وتفتخر به لأنه ورد في الإنجيل ويعني هبة الله". وتؤكد أنها كانت طالبة متفوقة ومؤمنة، لكنها، كما سائر طلاب الجنوب، عاشت قلقاً دائماً مع تصاعد الحرب، وكانت تتمنى تأجيل الامتحانات أو إيجاد آلية موحدة تراعي أوضاع الطلاب الجنوبيين.
لم يصدر قرار رسمي موحّد لمعالجة أوضاع هؤلاء الطلاب، فترك لكل طالب أن يتواصل منفرداً مع أساتذته أو إدارة جامعته لمحاولة إيجاد حل يناسب ظروفه.
ترى خالتها أن أوضاع الطلاب الذين يدرسون في بيروت فيما تقيم عائلاتهم في الجنوب لم تحظَ بالاهتمام الكافي، وهو ما ينطبق على ثيودوسيا، الطالبة في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية – الحدث. وتقول بحرقة "شي بيقهر كتير... تركوا هودي الطلاب مجهولي المصير، وكأنو كل واحد يدبّر راسو. خسارتن كبيرة كتير، وما في شي بيعوّضها".
لم تكن ثيودوسيا وحدها تنتظر الامتحانات؛ كانت تنتظر مستقبلاً كاملاً. لكن الحرب حوّلت طريقها إلى الجامعة إلى طريقٍ انتهى عند الفقد، لتبقى شهادتها المؤجلة شاهداً على حلم لم تمنحه الحرب فرصة الاكتمال.
ومن ثيودوسيا إلى شقيقها طوني، الذي أنهت إسرائيل حياته قبل أن يحقق حلمه بأن يصبح مهندساً ميكانيكياً. فمنذ طفولته، كان شغوفاً بتفكيك السيارات وتركيبها، ويقضي ساعات في صنع نماذج صغيرة للسيارات والطائرات، يجد فيها متعته وطريقته الخاصة لفهم عالم الهندسة.

تروي خالته لـ"النهار" أنه كان ينتظر انتهاء امتحاناته الجامعية ليبدأ أول تدريب عملي له، وكان يتحدث عنه بحماسة كبيرة، باعتباره الخطوة الأولى نحو المهنة التي حلم بها طويلاً. لكن الحرب أنهت ذلك الحلم قبل أن يبدأ، ولم تُتح له فرصة اختبار المهنة التي كان يرى فيها مستقبله.
تؤكد أن طوني، رغم كل الظروف التي عاشها لبنان، كان يرفض فكرة الهجرة ويتمسك بالبقاء في وطنه، مؤمناً بأن مستقبله يجب أن يُبنى على أرضه. لكن تلك الأرض نفسها ارتوت بدمه ودم شقيقته ووالده في يوم واحد.
كان طوني على مشارف إنهاء امتحاناته الجامعية، ولم يكن يفصله عن نهايتها سوى يوم واحد. إلكنه قُتل قبل أن يفرح بنجاحه أو يحصد ثمرة سنوات من الدراسة والاجتهاد. وكما شقيقته ثيودوسيا، كان شغوفاً بالعلم والمعرفة، إلا أن أحلامهما توقفت معاً في ذلك النهار المشؤوم، حين خرجا صباحاً كطالبين يحملان كتبهما وأقلامهما، يركضان خلف مستقبلهما، قبل أن يعودا جثمانين.
وقبل استشهاد أفراد عائلة كرم، وجّه أهالي القليعة والبلدات المجاورة، إلى جانب عدد من الطلاب، مناشدات متكررة إلى وزارة التربية والتعليم العالي، والجامعة اللبنانية، وعدد من الجامعات الخاصة، طالبوا فيها بإجراءات استثنائية تراعي الواقع الأمني المتدهور في الجنوب. وتمحورت المطالب حول تأجيل الامتحانات الحضورية للطلاب الذين يتعذر عليهم الوصول إلى جامعاتهم، أو اعتماد الامتحانات عن بُعد، أو إيجاد آلية خاصة للطلاب القادمين من المناطق المعرّضة للخطر.
لكن تلك النداءات لم تُترجم إلى قرار موحد. وبقي على ثيودوسيا وطوني، كما عشرات الطلاب الجنوبيين، أن يشقا طريقهما إلى بيروت لتقديم امتحاناتهما، قبل أن تتحول رحلة العلم إلى رحلة موت، وتنتهي الطريق التي سلكاها بحثاً عن مستقبلهما عند غارة إسرائيلية حرمتهما من حقهما في الحياة.
زينب الجبلي: أحلام اندثرت تحت التراب
في الصف الخامس الأساسي في جمعية المبرّات الخيرية، بقي مقعد الطفلة زينب الجبلي (10 سنوات) فارغاً. خرجت من صفها لكنها لم تعد إليه أبداً. فقد استهدفتها غارة إسرائيلية على منزل عائلتها في بلدة لبايا في البقاع الغربي في 5 آذار 2026، لتنطفئ طفولتها قبل أن تكتمل.

لم تُمنح زينب فرصة الاحتفال بنجاحها أو استلام شهادتها المدرسية، إذ انتهت رحلتها قبل أن تبدأ رحلة أحلامها. يقول والدها حسن لـ"النهار" "كانت زينب طالبة متفوقة، ولم تكن تخضع لامتحانات الفصل الأخير لأنها كانت تحقق علامات مرتفعة طوال العام. كانت تحب المدرسة وتعشق معلماتها، ولم تكن تدخل الصف قبل أن تلقي التحية على كل واحدة منهن. كانت مميزة بكل شيء".
ورغم صغر سنها، كانت أحلامها أكبر من عمرها. تارةً كانت تتحدث عن رغبتها في أن تصبح طبيبة، وطوراً مهندسة، وأحياناً قائدة طائرة. لم تكن قد حسمت أي طريق ستختار، لكنها كانت متيقنة من شيء واحد أنها تريد أن تنجح وتحقق ذاتها.
يتابع والدها "كانت شخصيتها مختلفة، وحتى بجمالها كانت مختلفة عن أخواتها. كان فيها شيء يجعلك تحبها من أول لقاء. كانت جميلة وراقية، ومن الصعب على أي شخص عرفها أن ينساها".
كانت زينب آخر العنقود في العائلة، أما اليوم فلم يبق منها سوى صورة معلقة تستحضر حضورها الغائب. لم تكن الضحية الوحيدة في تلك الغارة، إذ استشهدت والدتها فيما لا يزال أشقاؤها يتلقون العلاج منذ ثلاثة أشهر، بعد إصابتهم في الغارة التي استهدفت منزل العائلة في آذار/مارس 2026.
في بيت الجبلي، تحوّلت دفاتر زينب وكتبها إلى ذكرى لطفلة كانت ترى مستقبلها مفتوحاً على كل الاحتمالات، قبل أن تدفن الحرب أحلامها تحت الركام.

زهراء وحسين شكر : أحلام سقطت في إنزال النبي شيت
لم تتمكن زهراء شكر، الطالبة في الصف الثامن والبالغة من العمر 13 عاماً، من إكمال عامها الدراسي كما فعل زملاؤها. فقد أنهى الإنزال الإسرائيلي في بلدة النبي شيت في آذار/مارس 2026 حياتها، قبل أن تتمكن من الاقتراب خطوة أخرى من حلمها.
يروي شقيقها علي أن زهراء كانت تحلم بأن تصبح طبيبة لأنها كانت تريد أن تساعد الناس. يقول شقيقها لـ"النهار" إنها "كانت تفكر في مستقبلها رغم صغر سنها. كانت تريد مهنة تؤمن لها حياة كريمة، وفي الوقت نفسه تخدم الآخرين، لذلك قررت أن تجتهد في دراستها لتصبح طبيبة".

كانت زهراء هادئة وخجولة بطبعها، لكنها كانت مثابرة إلى حد لافت. كانت من المتفوقات في صفها، ولم تكن تجد صعوبة في أيّ مادة دراسية. يضيف شقيقها، البالغ من العمر 15 عاماً "كانت تحبّ جميع الموادّ، وكان معدّلها ممتازاً. كانت أحلامها تكبر معها يوماً بعد يوم".
لم يقتصر شغفها على المنهاج المدرسي، بل كانت تبحث دائماً عن تعلّم مهارات جديدة. ففي الصيف الماضي، التحقت بدورة في البرمجة، رغبةً منها في تطوير نفسها.
يقطع علي وعداً لشقيقته ووالدته اللتين فقدهما في الحرب، قائلاً "أعد زهراء وأمي بأن دمهما لن يذهب هدراً، وسأكمل دراستي وأحقق الحلم الذي كانتا تؤمنان به".
اليوم، يستعد علي لبدء الصف الأول الثانوي، بعدما قرر مجلس الوزراء إلغاء الامتحانات الرسمية للشهادة المتوسطة ("البريفيه") لهذا العام، واعتماد نظام إعفاء التلامذة منها ومنحهم إفادات نجاح.
بالنسبة إليه المسؤولية تقع على عاتق الطلاب الذين نجوا، يؤكد "علينا أن نحمل أحلام زملائنا الذين استشهدوا، وأن نكمل الطريق الذي لم يتمكنوا من إكماله. ندرس من أجلهم، ومن أجل هذا الوطن".
حسين وحلم الطب
كان حسين علي شكر يستعد للامتحانات الرسمية، واضعاً نصب عينيه بداية مرحلة جديدة من حياته؛ الانتقال من المدرسة إلى الجامعة، ومنها إلى كلية الطب التي طالما حلم بالالتحاق بها. وبين الحرب والقصف، لم يتخلَّ عن كتبه ولا عن إصراره على النجاح بل أصرّ على إكمال رحلته حتى النهاية.

في الصف الثالث الثانوي – فرع علوم الحياة، واصل حسين دراسته رغم الغارات المتواصلة، وكان يطمح إلى أن يصبح طبيباً. يقول ابن عمه علي شكر "كان محبوباً جداً بين أصدقائه، يتمتع بشخصية مميزة، ويعشق كرة القدم".
ورغم الخطر الذي كان يحيط بهم كل يوم، لم يفقد حسين عزيمته. كان يردد "إذا مكتوب نستشهد... رح نستشهد." لكنه، في المقابل، كان يرسم لمستقبله خطة واضحة أن يسافر إلى الخارج لإكمال دراسة الطب، ثم يعود إلى لبنان ليعمل طبيباً ويخدم أبناء منطقته.
لم يكن ذلك الحلم يخصه وحده، بل كان أيضاً حلم والده، الذي كان يتمنى أن يرى ابنه مرتدياً المعطف الأبيض. لكن الحرب أنهت ذلك المستقبل قبل أن يبدأ، إذ استشهد حسين مع والدته وشقيقته خلال الإنزال الإسرائيلي على بلدة النبي شيت في آذار/مارس 2026.
لم يكونوا مجرد أرقام أضيفت إلى لوائح الضحايا، بل طلاباً خرجوا من منازلهم حاملين حقائبهم ودفاترهم وأحلامهم، ولم يعودوا.
من محمد الذي كان يحلم بملاعب كرة القدم، إلى ثيودوسيا وطوني اللذين كانا على مشارف انتهاء دراستهم الجامعية، وزينب التي كانت تتنقل بين حلم الطب والهندسة والطيران، وصولاً إلى زهراء وحسين اللذين رأيا في الطب رسالة لخدمة الناس... تتشابه الحكايات في تفاصيلها الصغيرة، وتلتقي عند النهاية نفسها.
في وقت وثّقت فيه وزارة التربية عشرات المدارس المتضررة ومئات الطلاب الذين تأثروا بالحرب، تبقى الخسارة الأكبر تلك التي يصعب توثيقها بالأرقام جيلٌ خسر حقه في التعليم، وآخر خسر حقه في أن يكبر.